تتواصل تداعيات تقرير مفتشية وزارة الداخلية المتعلق بتدبير الشأن المحلي بجماعة تسلطانت، والذي تضمن سلسلة من الاستفسارات الموجهة إلى رئيسة الجماعة خلال الفترة الممتدة ما بين 2021 وماي 2025، على خلفية ما رصدته لجنة التفتيش من ملاحظات واختلالات، خاصة في ملفات التعمير.
الجزء الذي تم تسليط الضوء عليه في هذا المقال لا يمثل سوى نقطة في بحر من التجاوزات المثارة ضمن تقرير مفصل يمتد على نحو 40 صفحة، توصلت الجريدة بنسخة كاملة منه. غير أن هيئة التحرير ارتأت من منطلق المهنية والمسؤولية، تناول هذا الجزء الصغير في مرحلة أولى، على أن يتم التطرق تباعاً لباقي المعطيات عبر سلسلة مقالات متفرقة، بما يتيح للرأي العام المحلي الإحاطة بكل التفاصيل الواردة في التقرير.
المعطيات التي كشفتها الوثيقة في شقها المتعلق بالتعمير تشير إلى منح أذونات لإحداث مشاريع سكنية بمنطقة الفيلات “GH2” و“D” دون التقيد، بحسب الاستفسارات، بعدد من مقتضيات تصميم التهيئة، سواء فيما يتعلق باحترام نسب المساحات الخضراء والفضاءات المشتركة أو بمعاملات شغل واستغلال الأرض (CUS وCOS).
كما توقف التقرير عند الترخيص بإحداث مجموعات سكنية مغلقة في منطقة لا ينص تصميم التهيئة، وفق ما ورد في الوثيقة، على هذا النوع من المشاريع داخلها. ومن أبرز الملفات التي أثارت الانتباه، الترخيص رقم 1080 بتاريخ 28 دجنبر 2023، المتعلق بإحداث مشروع يضم 1860 فيلا فوق عقار مساحته 66 هكتاراً بالقطاع D1، إلى جانب رخصة أخرى رقم 1036 بتاريخ 29 دجنبر 2023، تخص إحداث 153 فيلا فوق مساحة 20 هكتاراً، مع تسجيل ملاحظات بشأن تحويل مسار “شعبة” مائية في إطار تهيئة المشروع.
غير أن التقرير لم يقف عند حدود التعمير فقط، بل امتد إلى جوانب مالية وإدارية، من بينها إعفاءات ضريبية مهمة همّت مجموعة “الضحى” بقيمة تناهز 3.8 مليون درهم، إضافة إلى منح دعم مالي لجمعيات يرتبط أحد أعضائها بعضوية سابقة في المجلس الجماعي خلال الفترة المعنية، وهو المنتخب المنتمي إلى نفس حزب الرئيسة حزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يصبح لاحقاً الرئيس الحالي للجماعة.
وتطرح هذه الوقائع تساؤلات سياسية وأخلاقية حول مدى انسجام الممارسة المحلية مع الخطاب المعلن لحزب “الجرار”، الذي يرفع شعارات تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمعطيات الواردة في التقرير إن تأكدت مضامينها، من شأنها أن تمس في العمق الصورة التي يسعى الحزب إلى تكريسها خاصة وأن جماعة تسلطانت سبق أن وُصفتها الوزيرة المنصوري في سياقات سياسية بـ“أغنى جماعة”، وكانت محط تنافس قوي على رئاستها.
جريدة بيان مراكش توصلت بالتقرير الكامل، حيث تؤكد أنها ستواصل نشر باقي ما تضمنه تقرير المفتشية من معطيات خطيرة عبر مقالات متتالية، تمكيناً للرأي العام من الاطلاع على مختلف جوانب التدبير الجماعي خلال السنوات الأخيرة.
فالقضية بحسب ما تعكسه الصفحات الأربعون للتقرير، لا تتعلق بحالات معزولة، بل بمنظومة قرارات وتدبير تطرح أكثر من علامة استفهام، وتستدعي توضيحات رسمية كفيلة بتبديد الغموض وترتيب المسؤوليات إن اقتضى الحال.
ويبقى الرهان اليوم معقوداً على مآل هذه الاستفسارات، وما إذا كانت ستُفضي إلى إجراءات إدارية أو قانونية، في سياق يتطلع فيه المواطنون إلى حكامة شفافة تضع المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
يتبع ….يتبع
