تغيير مدونة الأسرة رهان صعب، يتطلب إرادة سياسية

0 468

يبدو أن تغيير مدونة الأسرة من الناحية القانونية واعتماد اللغة المعيارية الحقوقية سهل للغاية لو خرجنا من منطق الفهم الضيق والمسيج بتوابث ومحددات خارج النسق القانون المدني العصري ، ففي واقعنا بما فيه التشريعي، فالمسألة جد معقدة، فغالبا المرجعية المعتمدة في مثل هذه القضايا من طرف المشرع يجعل الأمر صعبا ويحتاج إلى توافقات وتفاهمات قد تعصف بحقوق المرأة نظرا لاعتماد مرجعيات غير متجانسة ومتنافرة أحيانا، مما يجعل عملية تغيير المدونة ينتقل إلى بعض الإصلاحات التي غالبا لن تمس الجوهر .

فالاعتماد على القيم الكونية والمرجعية الحقوقية الدولية، كمرجعية لصياغة قانون مدني عصري ينسجم مع الوضع الدولي ويجيب عن تطلعات المرأة المغربية، قانون مندمج مع الشعارات والبرامج الدولية والإقليمية المنادية بسد الفجوة بين النساء والرجال وإقرار المساواة في جميع الميادين ودون تحفظ والقطع مع المرجعية الهجينة، يشكل أهم المداخل لإحداث تغيير حقيقي على المدونة وقادر على وضع التغيير في مساره السليم، لكن الإرادة السياسية والارتكان للخصوصية سيشكلان كوابح حقيقية لذلك، ونلمس أن العمل القادم لن يخرج عن جلباب وجبة المقدس لذلك فرهان التغيير الجذري للمدونة يبدو صعبا إذا ما أضفنا لذلك تراجع زخم ونضال القوى المدافعة عن الديمقراطية والمساواة الفعلية.

ورغم ذلك فإننا نعتبر التغيير المنشود يجب أن يؤسس على القواعد والمبادئ الحقوقية الكونية وفي طليعتها المساواة بين الجنسين، وعليه أن ينبني على مقتضيات المادتين 3و23 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية المتعلقة بالمساواة في الحقوق بين المرأة والرجل، في الأسرة سواء قبل الزواج أو أثناءه أو بعد انحلال ميثاق الزوجة، كما يمكن أن يشمل الولاية المشتركة والمتساوية على الأبناء والمسؤولية المشتركة على تدبير وتسيير شؤون الأسرة.

لكن تبقى هناك إنشغالات عميقة تتطلب الاجتهاد، والتي لا يمكن حلها بنصوص قانونية جافة ما لم تكن مسنودة بمقاربة سوسيو- اقتصدية مرتبطة بالوضع الاجتماعي وكيفيات معالجته، بمعنى وجود حماية اجتماعية لكل مكونات الأسرة وقدرة الزوجة والزوج على الإنفاق، بمعنى توفرهما على دخل يضمن سبل العيش الكريم، فمسألة القوامة المترسخة في الذهنية، والتي تجد سندها في الدين الذي يلحقها بالرجل تعتبر من لب الإشكالات التي قد تعيق ضمان المصلحة الفضلى للطفل في حالة الطلاق، كما أن التمييز القائم على الجنس في مجالات وقوانين أخرى يجعل من الصعوبة إقرار قواعد قانونية عادلة ومنصفة للمرأة.

وحتى نكون واضحين فأغلب الملفات المطروحة بعد الطلاق تتعلق بالنفقة وهدر المصلحة الفضلى للطفل الذي يكون أكبر الضحايا، فنسبة كبيرة من الرجال يرفضون أداء النفقة، إما بسبب العجز عن ذلك أو بسبب ما يعتبرونه مبالغة في تحديده، وبالتالي فالمشرع عليه أن يستحضر الكيفية التي يجب إعمالها للحفاظ على مصلحة الطفل وحقه في العيش الكريم وتمتعه بكل حقوقه الاجتماعية من تعليم وصحة وسكن لائق ويحميه من عمالة الأطفال والاستغلال بكل أشكاله والاقصاء الاجتماعي، وأن تضمن له العيش في كنف أسرته، وهذا لا يمكن أن يتم بما يسمى النفقة فقط بل يجب أن تتدخل الدولة لضمان الحقوق الإجتماعية غير القابلة للتصرف بالرفع من التعويضات العائلية عن الابناء وتحدد مسارها في حالة الطلاق بجعل المستفيد منها الحاضن وإلزامه بقوة القانون بتخصيصها لرعاية الطفل، كما أن على الدولة تعميم الرعاية الاجتماعية عن كل الأسر حتى فئة غير الأجراء والأجراء غير المصرح بهم لدى الضمان الاجتماعي.

ونعتقد أنه بدون حل اقتصادي واجتماعي لأوضاع الأسرة ولما يسمى النفقة وتحملات الدولة الاجتماعية لا يمكن الوصول إلى مدونة متوازنه على الأقل ضامنة للحدود الدنيا من المصلحة الفضلى للطفل والمرأة.

كما أن من ضمن القضايا الجوهرية التي يجب القطع أو تغييرها كليا بحثا على الملاءمة مع المواثيق الدولية لحقوق الإنسان ذات الصلة نحملها في :

●إلغاء جميع البنود التي تكرس التمييز بين الرجال والنساء داخل المدونة وحذف جميع الصيغ والعبارات التي تحط من كرامة المرأة.

● توحيد مساطر الطلاق وجعله في يد القضاء وعلى قدم المساواة بين الجنسين وجعل حق الانتصاف القضائي متاح للطرفين مع تسهيل المساطر وتوحيدها وجعل مدونة الأسرة تنص على المساواة عند حل ميثاق الزوجية تحت مراقبة القضاء، مع ضمان الإجراءات الشكلية والموضوعية كحق واحد غير قابل للتجزئة.

● إلغاء الاستثناء القاضى بتزويج القاصرين من دون 18 سنة وتغيير المقتضيات التي تحد من الأهلية القانونية للمرأة لتصبح مساوية للأهلية القانونية للرجل و منع تعدد الزوجات.

● التنصيص صراحة على أن أهلية الزواج وتحديده في 18 سنة كاملة بالنسبة للجنسين وإلغاء الاستثناء الذي أصبح قاعدة، ووضع نظام قانوني يضمن للزوجة والأرملة جميع حقوقهما في الأموال المكتسبة أثناء الحياة الزوجية، الاعتراف بالعمل المنزلي كعمل منتج وإدماج نظام الكد والسعاية كحق مشروع للمطلقة والأرملة، وتنظيم شروط وضوابط الاستفادة منه وإلغاء الولاية في الزواج .

● تفعيل صندوق للتكافل العائلي والرفع من مخصصاته المالية وقيمة المالية للتكفل والتعجيل بتنفيذ الأحكام المتعلقة بالنفقة ومراقبة المرشدين القضائيين والاجتماعيين لمدى استفادة المحضون من النفقة مع ضرورة تمتيع الحاضنة بالتعويضات العائلية عن الأبناء مهما كان وضعها في عالم الشغل .

●التنصيص على حق الأم في النيابة الشرعية على أبنائها إلى جانب الأب، واعتبار الأب والأم متساويين معا في الولاية القانونية على أبنائهما، ومعالجة الثغرات التي تعيق ذلك في حالة وجود منازعات بين الطرفين.

● تحصين حق الأم في الحضانة، مع اعتبار المصلحة الفضلى للطفل هي الأساس في كل نزاع حول مسألة الحضانة، وليس زواج الأم أو عقيدتها أو وضعها المادي والاجتماعي، وتمكين الزوجة من تتبع إجراءات انتقال الأبناء في حالة الطرد من بيت الزوجية أو أثناء سريان مسطرة الطلاق من المؤسسات التعليمية وتمكين الحاضنة من مباشرة المؤسسات التي يتمدرسون بها أو تلك التي لها علاقة بالطفل، وتتبع الإجراءات الإدارية والمالية للمحضون عند ثبوت مسطرة إهمال الأسرة والطرد من بيت الزوجية .

● حظر تعدد الزوجات وكذا حظر تزويج الطفلات واعتماد السن القانونية للزواج المحددة في 18 سنة للذكر والأنثى دون أي استثناء

● مراجعة منظومة الإرث بما يضع حدا للإجحاف في حق النساء ولهضم حقوقهن وتفقيرهن، وبما يتجاوب مع التحولات المجتمعية وأدوار النساء على اعتبار أن نسبة مهمة قد تتجاوز 20% من الاسر المغربية تعولهن إمرأة، وذلك بإقرار المساواة في الإرث بين المرأة والرجل في كل المستويات.

● التدقيق والحكم باقصى سرعة ممكنة في الجهة الكافلة للطفل لمواجهة بعض الاكراهات المرتبطة أساسا بحقوق الطفل سواء في التمدرس أو التنقل مع أمه وغيرها .

● اعتماد الأساليب العلمية الدقيقة والخبرة الجينية لإتباث النسب، وهذا يتطلب إعادة النظر في العديد من فصول مدونة الأسرة التي ترتبت عنها أحكام قضائية تنفي تبوث النسب رغم تأكيد الخبرة الجينية للعلاقة البيولوجية بالأب مع ترتيب كل الأثار القانونية والتحملات الاجتماعية بما فيها النفقة عن البنوة بالنسبة للاب البيولوجي.

● التنصيص على ضمان وتمتيع الطفل وبدون تمييز بكل الحقوق التي يكفلها القانون الدولي لحقوق الإنسان بما فيها النسب والهوية أيا كانت ظروف ولادته .

●ضمان باقي الحقوق المدنية للمرأة في تساوي تام مع الرجل ودون تمييز، والإقرار بحق المرأة في الزواج بغير المسلم وإقرار حق المرأة في المساواة مع الرجل في اكتساب جنسيتها أو الاحتفاظ بها أو تغييرها أو إعطائها لزوجها

● وإخضاع أية مخالفة لمقتضيات قانون الأسرة المرتقب لعقوبات زجرية.

إن الطريق طويل وشاق في قضية إقرار حقوق المرأة وضع قانون مدني عصري يقطع مع القداسة والخصوصية الدينية الحاضرة بقوة مما يجعل النص القانوني المنتظر غالبا متسم بالهجانة بين فصوله وقد تتنازع تناقضتها أحيانا مما سيفتح باب التأويل والذي غالبا لا ينتصر للحق بقدر ما ينتصر للنص الديني أو العرف التقليدي.

ونعتقد أنه ما لم يتم القطع مع تعدد المرجعيات وتفسيراتها المنتقاة والمنتصرة لفكر معين فإن التعديلات المرتقبة ستكون جزئية وغير مرضية للطيف المجتمعي ، و أنها لن تعالج الأساس في ذلك وهو : حقوق المرأة وفي مقدمتها المساواة ونبذ التمييز وحقوق الطفل ومصلحته الفضلى التي تبقى فوق أي اعتبار اديولوجي أو عقائدي.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.