الوكالات الجهوية بين وعد الإصلاح ومنطق التحكم

0 471

لم يمرّ مشروع القانون رقم 64.23 المتعلق بإحداث الوكالات الجهوية للتعمير والإسكان مرورًا عاديًا داخل المؤسسة التشريعية. فخلف اللغة التقنية التي كُتب بها النص، انفجر نقاش سياسي حاد أعاد إلى الواجهة سؤالًا مركزيًا ظل يرافق كل أوراش الإصلاح الترابي في المغرب:
هل نحن بصدد نقل حقيقي للسلطة نحو الجهات، أم أمام إعادة ترتيب هادئة لمراكز القرار تحت مسمى إداري جديد؟
المشروع، كما قدّمته الحكومة، يُفترض أن يشكّل قفزة نوعية في تنزيل الجهوية المتقدمة، من خلال توحيد تدخلات الدولة في مجال التعمير والإسكان داخل بنيات جهوية تتمتع بالاستقلال المالي والشخصية المعنوية. غير أن القراءة المتأنية للنص، كما عكسته مناقشات لجنة الداخلية بمجلس النواب، كشفت فجوة واضحة بين الخطاب والواقع التشريعي.
عدد من البرلمانيين اعتبروا أن الأزمة الحقيقية التي يعيشها قطاع التعمير لا ترتبط بغياب المؤسسات، بل بتضارب الاختصاصات، وبتمركز القرار في الرباط، وبضعف المحاسبة. لذلك فإن استبدال الوكالات الحضرية بهياكل جهوية، دون إعادة توزيع فعلية للسلطة، لا يعني سوى تغيير الواجهة دون المساس بجوهر الاختلال.
فالوكالات الجهوية، رغم طابعها اللامركزي، ستشتغل وفق آليات تضبطها الإدارة المركزية، وتبقي القرارات الاستراتيجية الكبرى خارج مجال المبادرة الجهوية. وهو ما دفع نوابًا إلى التحذير من ولادة نموذج جديد من “التمركز المقنّع”، حيث تُنقل المهام نحو الجهات بينما تظل مفاتيح القرار الحقيقي بيد المركز.
في هذا السياق، طُرحت بقوة مسألة العلاقة مع الجماعات الترابية. فمشروع القانون يمنح الوكالات الجهوية صلاحيات واسعة في التخطيط والترخيص والمواكبة، وهي مجالات تُعدّ جوهر السلطة المحلية. هذا التداخل، في نظر معارضيه، لا يهدد فقط وضوح المسؤوليات، بل يُضعف موقع المجالس المنتخبة، ويفتح الباب أمام إدارة ترابية بلا مساءلة سياسية مباشرة.
كما لم يخلُ النقاش من القلق بشأن مصير تجربة الوكالات الحضرية، التي راكمت لعقود خبرة تقنية ومؤسساتية في تدبير المجال. فإلغاؤها دون تقييم موضوعي لأدائها، ودون مساءلة عن إخفاقاتها ونجاحاتها، يُنظر إليه كقطيعة بيروقراطية أكثر منه إصلاحًا مبنيًا على المحاسبة والتراكم.
وعلى مستوى العدالة المجالية، وُجّهت انتقادات حادة لاعتماد نموذج موحّد للوكالات الجهوية، في بلد تتفاوت جهاته بشكل صارخ في الموارد والبنيات والضغط العمراني. إذ أن إخضاع جهة مثل الدار البيضاء–سطات، على سبيل المثال، للنموذج نفسه المطبق على جهة درعة–تافيلالت، يُهدد بتكريس الفوارق بدل تقليصها، ما لم تُعتمد سياسات تمييز إيجابي حقيقية.
كما برزت في النقاش البرلماني إشكالية العالم القروي، الذي ظل تاريخيًا الحلقة الأضعف في سياسات التعمير. ودعا نواب إلى إحداث وحدات متخصصة داخل الوكالات الجهوية تعنى بالوسط القروي، وتُكيّف القوانين والمساطر مع واقعه الاجتماعي والاقتصادي، بدل إخضاعه لمنطق حضري لا يعكس حاجياته ولا قدراته.
أما من زاوية الإصلاح القانوني، فقد حذّر المتدخلون من تنزيل هذا المشروع في غياب مراجعة شاملة لباقي النصوص المؤطرة للتعمير، معتبرين أن أي إصلاح جزئي في منظومة متشابكة سيؤدي إلى مزيد من الارتباك، لا إلى التبسيط الموعود.
وتقاطعت هذه الانتقادات مع مطلب رقمنة حقيقية لمساطر التعمير والتراخيص، باعتبارها شرطًا لا غنى عنه لمحاربة البيروقراطية والفساد، وضمان الشفافية وتكافؤ الفرص بين المواطنين والمستثمرين.
في العمق، لا يبدو الجدل حول الوكالات الجهوية تقنيًا كما قد يوحي به عنوان المشروع، بل سياسيًا بامتياز. فهو يعكس صراعًا صامتًا حول من يملك القرار في تدبير المجال:
هل هي الجهات والجماعات المنتخبة، كما يقتضي منطق الجهوية المتقدمة؟
أم الإدارة المركزية، التي تظل، رغم كل خطابات التفويض، حارسة المفاتيح الكبرى للسلطة الترابية؟
مشروع القانون 64.23، في صيغته الحالية، لا يحسم هذا التناقض، بل يؤجله. وهو ما يجعل منه ليس فقط نصًا تنظيميًا، بل مرآة دقيقة لحدود الإصلاح الترابي في المغرب، وللسقف السياسي الذي لا تزال تصطدم به الجهوية كلما اقتربت من جوهر السلطة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.