المُعلَنُ والمَستُور في حياة المَقْهُور.

0 386

✍️بقلم محمد خلوقي .

لقد تمكَّن منا الذل ، والهَوان ،والخوف ،و الانبطاح ،درجة صرنا معها لا نرى انفسنا إلا عبيدا لكل من تجبَّر وتكبَّر، وأغْوى واسْتقوى ، وروَّضنا النفس والفكر وحتى السلوك على هذه القناعة ، بل أجْهدنا الفكر في الاستدلال على بقاء وثبات تردي الحال والاحوال ، وعبثية النضال ، وسوداوية المآل ، كل ذلك تحت عناوين مختلفة منها ؛ ان الواقع لا يرتفع ، وان ليس بالامكان أحسن مما كان ، وأن هذا الزمان يحكمه منطق القوة ، لا قوة المنطق ..
ومن هذه القناعة تفرَّعَت رؤيتان متضادتان تجاه الذات و الآخر :
👈- رؤية خفية ومستورة ، تُهين الذات ، وتنتقص من قيمتها ، وتسجنها داخل أسوار من الخنوع والجمود ، والاعتقاد بالعجز على الفعل أو ردة الفعل .
👈-ورؤية ثانية ، ظاهرة ومُعلنة، هي على النقيض مما سبق ، تتعامل مع (الاخر )بإسهاب في التقدير والاعجاب ، والرِّفعة لمقامه وقامته ، فيطول الحديث ، بخشوع واحترام، عن مجالات عيش( هذا الاخر ) ورغده ، وعن شموخه ، وقوته ، وانجازاته وبطولاته ، حتى ان البعض يبالغ في حدود هذا التعظيم والتمجيد ، درجة قد تفوق الحجم الحقيقي لهذا ( الاخر) المُمَجَّد .( اقرأ واسمع حديث الناس ، مثلا ، عن المجتمع الغربي مقابل كلامهم عن المجتمع الشرقي ).
و الحقيقة ان هذه المبالغة في التمجيد ، منها ما قد يكون صادرا عن حالة مرضية خطيرة ، تلازم سيكولوجية كل مهزوم ، مهزوز، مقهور ، فاقد الثقة في قدراته ، وإمكانات محيطه . ضَحْلُ المعرفة ،ومُشوَّشُ الفهم والتفكير والتقدير ، ومُذبذب ُ في تحركاته وحركاته الايمانية والعقدية ، فهذا النموذج السَّيِّءُ – للاسف -مع توالي الاحداث والمواقف ، قد تموت في دواخله حركة النزوع الرفيع الى الاستقلالية ،والحاجة الفطرية للانعتاق والحرية ، وتتشكل لديه ، سلوكات مجانية لتبخيس الذات، وهكذا قد يحكم على نفسه بمؤبَّد الدونية ،و يقهر فطرته وغريزته ، ليجعلها تدور في فلك الطاعة والإذعان والعبودية لهذا( الاخر ) ،الذي يعتقد – وَهْما -بانه هو القوي المُنْجي ، والمنقد المُتمكِّن ، والزعيم المتفرد، والوحيد الاوحد القادر على تخْليصه مما صار اليه وعليه .
وحين تدخل في نقاش مع هذا الكائن المقهور ، قصد تصحيح نظرته ، وتبيان خطئه ،او استنهاض بعض من همته ، فانه يحوِّل عنك نظره باتجاه آخر, ويُفضِّل فقط تأليه الوهم ، وعبادة صنم السيد المخلِّص ، الذي يرْبِقه بعقال الاوهام, ثم يقتاده بسهولة الى حيث يريد .وأمّا من يحاول قشع غبار تلك الأوهام عن عينيه ،فيتحول الى عدوه اللذوذ ، ويصير موضوعا دسما يلوكه لسانه الناقم /الناقد .
واعتقد ان لا مخلِّص للمرء من مثل هذه الوضعية المشينة والمزرية ، إلا استعادة ايمانه الراسخ و القوي ، بانه انسان حرٌّ ، وعاقل ، له كل القدرات والامكانات والاستعدادات للنهضة والنهوض ، حتى وان كبا وسقط ، في حفرة استضغار الذات ، واستعظام الآخر ، لان حالة سقوطه -وخاصة اذا كان سقوطا غير مُميث -تبقى منحة ًفريدةً ، وفرصةً جديدةً ، يتعرف فيها على سبب هفواته وإخفاقاته ، فيرسم بعد ذلك سبل النجاة ، ثم ينهج مسالك العبور السليم
والآمن الى حياة نقية وقوية ، خالية من ذاك الاحساس بالضعف والدونية والهوان .
وبمثل هذه الارادة والقناعة ، اظن ، انه سيتحسَّن وينجح كفرد ، وتنتَصر جماعتُه ، ويتفوَّق وطنُه ، وبغير ما سلف ، سيبقى القهر والذل والاذعان ساريَ المفعول ، والخلاصُ منه صعبُ، او غير مَأمُول .
✍️محمد خلوقي

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.