يشكل الإعلان الذي قدمه ناصر بوريطة بشأن إستعداد المغرب لنشر عناصر من الشرطة المغربية للمساهمة في تدريب القوات في غزة لحظة دبلوماسية ذات دلالة عميقة، ليس فقط من زاوية الحدث في حد ذاته، ولكن من حيث الرسائل السياسية والاستراتيجية التي يحملها فالمملكة المغربية الشريفة، بقيادة أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، ستظل على الدوام فاعلا متوازنا في قضايا السلم والأمن، جامعا بين الموقف المبدئي والدور العملي .
إن ما طرح خلال إجتماع مجلس السلام ،يعكس إنتقال المملكة المغربية من منطق الدعم الخطابي إلى منطق الإلتزام الميداني ،فالمبادرة لا تقتصر على مساهمة مالية أو موقف سياسي، بل تمتد إلى عرض خبرة أمنية متراكمة، راكمتها المؤسسات المغربية في مجالات حفظ النظام، ومكافحة التطرف، وتدبير الأزمات ، وهو ما يجعل من العرض المغربي عرضا نوعيا وليس رمزيا .
ولعل الأهمية الكبرى لهذه الخطوة تكمن في بعدها المتوازن فالمغرب لم يطرح نفسه طرفا في نزاع، بل شريكا في بناء شروط الإستقرار ، بتدريب قوات محلية، والإنخراط ضمن قوة إستقرار دولية، يعني الإيمان بأن الحلول المستدامة تمر عبر تمكين المؤسسات الشرعية وتعزيز قدراتها، لا عبر فرض ترتيبات فوقية معزولة عن الواقع الميداني.
ثم إن البعد الإنساني الذي تضمنه الإعلان، من خلال نية إنشاء مستشفى ميداني وإطلاق برامج لمحاربة خطاب الكراهية، يؤكد أن الرؤية المغربية لا تختزل الأمن في مقاربته الصلبة، بل تربطه بإعادة بناء الثقة ومعالجة الجراح الإجتماعية والنفسية التي يخلفها النزاع ،وهي مقاربة تنسجم مع الدور الذي يضطلع به المغرب تاريخيا في دعم القضية الفلسطينية، سواء عبر رئاسة لجنة القدس أو من خلال مبادرات ميدانية ملموسة.
إن تثمين هذه المبادرة لا يعني الإصطفاف الأعمى، بل الإعتراف بأن المغرب يواصل ترسيخ صورة الدولة المسؤولة التي تزاوج بين الشرعية الدولية والواقعية السياسية، كما أن تأكيد أهمية السلطة الفلسطينية عبر مؤسساتها الشرعية ينسجم مع ثوابت الدبلوماسية المغربية القائمة على دعم الحلول السياسية التي تضمن وحدة الصف الفلسطيني ، وتبدو هذه الخطوة تعبيرا عن ثقة المملكة المغربية الشريفة، في قدرتها على الإسهام في هندسة الحلول لا الإكتفاء بمتابعة تطوراتها ، وهي رسالة مفادها أن المملكة لا تكتفي بالدعوة إلى السلام، بل تسعى إلى الإستثمار فيه ماديا ومؤسساتيا وأخلاقيا.
إنها لحظة تؤكد أن الدبلوماسية المغربية، حين تتحرك، تفعل ذلك برؤية إستراتيجية، وبإرادة أن يكون حضورها إضافة حقيقية لا مجرد رقم في بيانات المؤتمرات.