المشهد الحزبي الوطني في حالة احتضار والإحساس أن السياسة لا أهمية لها في انتشار.

0 544

ذ:محمد بادرة

خرجت العديد من الاحزاب الوطنية من رحم الحركة الوطنية وناضلت من اجل نيل الاستقلال لكن هذه الاحزاب التأسيسية الاولى لم تتسلم زمام السلطة الا خلال فترة قصيرة وبالتحديد في فترة المناضل الوطني الفقيد عبد الله ابراهيم ((58/60) لتعود بعد ذلك سلطة التحكم في تسيير الشأن العام الى الاطر والنخب المخزنية الامر الذي ساهم في اضعاف قدرة هذه الاحزاب على التحكم في البدايات الاولى لبناء الدولة، وهو ما ادى الى:
-ظهور تنظيمات حزبية متشددة ايديولوجيا ومعاكسة للنظام السياسي القائم.
-اختيار بعض التنظيمات الحزبية المحسوبة على التيار اليميني او المحافظ لخيار الاندماج في منظومة “الادارة المخزنية” الى حد الذوبان.
-لجوء تنظيمات حزبية صغيرة لخيار الانزواء والموت البطيء.
-بروز ظاهرة الانشقاق والتشظي والاستنساخ والتناسل وانعدام الديموقراطية الداخلية داخل الاحزاب مما دفع غالبية المواطنين يقاطعون العمل السياسي والحزبي ويشعرون بالاغتراب وعدم الثقة او الرضا بدور ووظيفة الاحزاب وهو ما تسبب في تدني المشاركة والتصويت في كل المحطات الانتخابية والدستورية.
ومع ذلك فانه لا يمكن انكار الدور الذي لعبته الاحزاب الوطنية المغربية سواء في النضال ضد الاستعمار او من اجل البناء الديموقراطي وما صاحب ذلك من تضحيات جسام لكن في نفس الوقت لا يمكن نكران او تجاهل الاختلالات التي رافقت الممارسة الحزبية في المغرب كافتقار هذه الاحزاب المغربية لهوية سياسية واضحة ولمشروع اجتماعي مغربي ملائم و لخط ايديولوجي واضح يسمح للمواطن وللمشارك في العملية السياسية او الانتخابية القدرة على تصنيفها او على الاقل التمييز بينها. وهذا ما يفضح الفقر الايديولوجي والفكري للأحزاب المغربية مع اكتفاء بعضها بالاعتياش على هامش السلطة منشغلة بتدبير اللحظة الانتخابية الامر الذي حولها الى كائنات انتخابية تختفي ويغرب لونها بغروب شمس الانتخابات.
هذه الاختلالات التي تعتري الجسم الحزبي ليست وليدة الظرفية الحالية وانما هي اختلالات بنيوية مرتبطة بالنسق السياسي المغربي بعد ان تخلت الاحزاب عن وظيفتها التاطيرية وانحرفت عن مسار التنمية الديموقراطية والتحديث واكتفت بالمنافسة على تقلد الوظائف الوزارية والاستشارية وتسيير المجالس والجماعات بدل التنافس الديموقراطي من اجل الوصول سلطة تدبير الشأن العام او على الاقل المشاركة في ممارستها.
لقد تخلت الاحزاب عن ثروتها البشرية وانعزلت عن الحركة الجماهيرية للقوى الاجتماعية التي تعبر عن مصالحها واستبدلتهم بالمراهنة على السلطة في كسب المقاعد والمناصب وهو ما تسبب في تأكلها وانهيار مصداقيتها.
اصبح المواطنون اليوم يختارون الاحتجاج في الشارع او في العمل للتعبير عن رايهم ومشاغلهم ومشكلاتهم وعن همومهم ويلجؤون الى وسائل التواصل الاجتماعي عبر الانترنيت لانهم يشعرون ان هذه الاماكن وهذه الوسائل الجديدة هي الوحيدة التي يمكن ان يسمع رايهم وصوتهم فيها بعد ان فقدوا الثقة في الاحزاب وفي حكومة الاحزاب.
وهكذا استمر الناس بالشعور بالاغتراب عن السياسة “التقليدية” وظلوا في ريب من برامج السياسيين ويئسوا من الانتظار لتحقيق وعود الحكومة للزيادة في الاجور وتحسين الخدمات الاجتماعية والقضاء على البطالة حتى شعروا ان الحكومة اقصتهم واهملتهم وهجرتهم الى فلك رجال المال والاعمال وازدادت قناعتهم بان السياسة الان تقودها مصالح رجال الاعمال مما قد يؤدي بالعمل السياسي الى اتون المصالح الخاصة ويدفع بالممارسة السياسية الى الانحراف عن مقاصدها النبيلة في الاصلاح والتنمية والتحديث.. واذا ظل الناس يشعرون بان القوة الحقيقية الوحيدة هي في ايدي المؤسسات المالية والتجارية وليس بيد المؤسسات المنتخبة فان صوت الاحتجاج لابد سيعلو فوق كل صوت وبعدئذ لن تصبح الاصوات الانتخابية ذات قيمة وسيتبخر الاحترام التقديري للسياسيين ولصندوق الاقتراع.
ان قلة حضور الناخبين للتصويت في جميع المحطات الانتخابية، وهبوط معدلات الثقة من الاحزاب ومن حكومات الاحزاب وازدياد الفساد المكشوف.. كل ذلك اسهم في انتشار الاحساس بان السياسة لا اهمية لها وتكاد تكون المسالة متمثلة في ياس طرفي المعادلة الانتخابية من الديموقراطية من خلال شك في ان الانتخابات لا تغير حقا اي شيء ملموس
ما رد فعل الاحزاب والسياسيين ازاء هذا الوضع ؟
الاحزاب والقادة السياسيين ما يزالون قابعين في الفلك المهجور يعتقدون انهم يعملون جاهدين على اجتذاب الناس للالتحاق بمراكبهم الغارقة في الوهم، يدعون بالمشاركة المكثفة للتصويت في الاستحقاقات الانتخابية ويدفعون الناخبين بالتصويت على لوائح انتخابية اسمية لا تجد فيها تجانسا او تناغما في الاجيال وفي الانتماء للشرائح الاجتماعية او في المصالح والمنافع فذاك طالب جامعي عاطل يديل اللائحة في الاسفل وهذا رجل “اعمال” سقط “سهوا” ليراس اللائحة في المقدمة معتقدين ان الانتخابات او الاستحقاقات السياسية الجديدة والمصالح المستقبلية للمجتمع والوطن تتطلب الاعتماد او الاتكاء على رجال مال والاعمال لان السياسة اليوم في نظرهم عليها ان تحاكي اساليب الشركات والمؤسسات التجارية فزيارة البيوت والمحلات او اقامة التجمعات في الحملات الانتخابية او توزيع المنشورات يدا بيد او عقد الاجتماعات المحلية كانت الى عهد قريب هي الوسيلة الوحيدة للأحزاب في التواصل الجماهيري، اما السياسة اليوم–في نظرهم- فهي مكلفة واشبه بالعمل التجاري تحتاج الى كميات كبيرة من الموارد المالية .. ففيما مضى كانت الاحزاب تعتمد على الاتصال المباشر من خلال الوسائل الجماهيرية، اما اليوم فقد اصبح مستشارو الاعلام السياسي ومستشاري الصورة واخصائي الاعلان يزودونهم بالتقنيات الاتصالية الحديثة وبمحللي استفتاءات الراي العام كما يشيرون على السياسيين كيف يبرزون انفسهم.
في نظر مخططي ومهندسي الاحزاب “الجديدة” لم يعد ممكنا اليوم تسديد النفقات المتزايدة لتسيير الحملات ودعم المترشحين للانتخابات الجماعية والنيابية من الاشتراكات العضوية في الحزب او بواسطة الهبات الشخصية والاموال التي تقدمها الدولة فهي ما عادت اليوم كافية لتغطية البذخ السياسي لذا فانه ان الاوان على الاحزاب والقادة السياسيين التوجه لتغطية هذا العجز الى الشركات والى رجال المال والاعمال وهذا الاسلوب الجديد هو المعمول به في العالم المتحضر ديموقراطيا في اوربا وامريكا فالشركات الكبرى ورجال الاعمال تجدهم يقدمون الدعم للأحزاب “المتآخية” مع النظام الراسمالي .. وطبيعي ان الشركات لا تعطي شيئا مقابل لا شيء فالمال يشتري الفعل ويشتري النفوذ فهم يتوقعون مقابل الاموال التي يقولون عنها انها قليلة مردودا له قيمته
على مستوى “الاصلاحات” الاقتصادية والاجتماعية من تخفيف للضرائب على الشركات وحماية نظام السوق …
وفي غياب الفروقات الايديولوجية الواضحة بين الاحزاب استطاعت العديد منها ان تتمايز بشكل فعال باستراتيجية التسويق والانفاق والعناية الاعلامية…
لكن كيفما كان النظام الحزبي وطبيعته فان الاحزاب السياسية تشكل العمود الفقري للبناء الديموقراطي بحيث لا يمكن الحديث عن الديموقراطية الحقة في غياب احزاب سياسية تتنافس منافسة شريفة على الاستقطاب والتأطير وصناديق الاقتراع ببرامجها وافكارها.
لكن من الصعب تحقيق اي تأهيل حزبي دون تفعيل كل المداخل الاصلاحية القانونية الدستورية السياسية الاجتماعية بشكل متواز ومتكامل بعيدا عن التجزيئية.
ذ. محمد بادرة

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.