الكاف بين الازدواجية والفضيحة: المغرب يدفع ثمن المطالبة بالإنصاف

0 1٬186

عبد العزيز اللاجي-

سقطت الخرافة التي تم الترويج لها طويلا من طرف الخصوم عن أن المغرب “يمسك بخيوط القرار داخل الكاف”، وأن فوزي لقجع يدير دواليب الاتحاد الإفريقي لكرة القدم من الخلف. سقطت هذه الأسطورة عند أول اختبار حقيقي، وظهر الواقع بلا أقنعة: الكاف لا يكتفي بعدم إنصاف المغرب، بل يعاقبه صراحة لأنه تجرأ وطالب بحقه، في وقت يكافأ فيه آخرون على الفوضى والتسيب.

ما صدر في الساعات الأولى من صباح الخميس 29 يناير لا يمكن اعتباره قرارات انضباطية عادية، بل هو محاكمة سياسية كروية بكل المقاييس. محاكمة أقر فيها الاتحاد الإفريقي بشرعية الانفلات داخل المستطيل الأخضر، وشرعن الانسحاب، وبارك ما قام به اللاعبون السنغاليون من تجاوزات خطيرة، قبل أن يهديهم، بلا خجل، نتيجة مسروقة من عرق وجهد منتخب مغربي لم يذنب سوى أنه احتج على الظلم.

الكاف، الذي يفترض فيه حماية مبادئ اللعب النظيف، اختار أن يقلب المعادلة رأسا على عقب: كافأ الفوضى، وخفف العقوبات عن الطرف الذي أساء للحكم وهدد السير الطبيعي للمباراة، بينما أنزل عقوبات انتقائية وقاسية في حق لاعبين مغاربة، فقط لأنهم عبروا عن رفضهم للظلم التحكيمي. هكذا تحول الاحتجاج المشروع إلى جريمة، وأصبح الصمت معيار “الروح الرياضية” في قاموس الكاف.

العقوبات التي صدرت في حق السنغال كانت باردة، شكلية، ومجردة من أي معنى ردعي. إيقاف المدرب باب بونا ثياو خمس مباريات مع غرامة مالية، وإيقاف لاعبين لمباراتين، وغرامات يمكن لأي اتحاد قوي امتصاصها بسهولة، وكأن الرسالة واضحة: افعلوا ما شئتم داخل الملعب، انسحبوا، اعترضوا، اربكوا الحكام، فالعقاب سيكون خفيفا. إنها إفريقيا كما يريدها الكاف، بلا قانون ولا محاسبة حقيقية.

في المقابل، كان السوط غليظا حين تعلق الأمر بالمغرب. إيقاف أشرف حكيمي مباراتين، وإيقاف الصيباري ثلاث مباريات مع غرامات ثقيلة، ثم سيل من الغرامات على الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم بذريعة اقتحام منطقة الـVAR، وكأن الدفاع عن الحق أصبح فعلا غير رياضي، وكأن المطالبة بتفسير قرارات تحكيمية مثيرة للجدل جريمة تستوجب التأديب.

الأكثر استفزازا في هذا المشهد أن الكاف نفسه يعيش اليوم على ما وفره له المغرب من دعم وبنيات تحتية وتنظيم واحتراف إداري، وأن المملكة كانت في كل مرة صمام أمان للاتحاد الإفريقي حين كانت أزماته تهدد وجوده. ومع ذلك، عندما جاء وقت الإنصاف، اختار الكاف أن يعض اليد التي امتدت لمساعدته، وأن يوجه قراراته ضد المغرب ببرودة وانتقائية فاضحة.

قد لا تكون هناك وثائق تثبت تواطؤا مباشرا، لكن الوقائع المتكررة تفرض حقيقة لا يمكن تجاهلها: من يطالب بالعدل داخل الكاف يعاقب، ومن يصنع الفوضى يحتضن، ومن يساير اللعبة ويصمت يخرج سالما. المغرب لم يعاقب لأنه أخطأ، بل لأنه رفض أن يبتلع الظلم، ورفض أن يكون جزءا من منظومة تكافئ التسيب وتعاقب الجرأة.

بهذه القرارات، لا يسيء الكاف إلى المغرب فقط، بل يضرب ما تبقى من مصداقيته، ويؤكد أن كرة القدم الإفريقية لا تزال رهينة منطق الازدواجية والحسابات الضيقة. أما المغرب، فرغم كل شيء، سيظل أكبر من قرارات ظالمة، وأقوى من اتحاد فقد بوصلته، لكن ما حدث يجب ألا يمر كأنه أمر عادي، لأن السكوت عنه يعني القبول بتحويل الظلم إلى قاعدة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.