م.س : بيان مراكش
شهد العالم الرقمي في السنوات الأخيرة تحولات عميقة في نطاق حرية التعبير ، إلا أن هذه الحرية مهما كانت مقدسة، لا تبرر إنتهاك حقوق الآخرين أو التحريض عليهم بالعنف و نشر الأكاذيب التي تلحق أضرارا معنوية ومادية ، فقضية هشام جيراندو ، المدان داخل الوطن وخارجه بالحبس النافذ ، تعد نموذجا صارخا لتجاوز هذه الحدود القانونية ، ولإساءة إستغلال المنصات الرقمية لإلحاق الضرر بعدد من الأفراد داخل المملكة المغربية الشريفة .
و ما يقوم به جيراندو يتعارض مع المبادئ الأساسية للحق في الحياة الخاصة وحرمة السمعة ، التي تكفلها التشريعات الدولية و الإلتزامات المرتبطة بحقوق الإنسان ،فالتحريض المستمر على الكراهية أو التشهير أو نشر محتوى يهدد الأفراد يصنف وفق القانون الجنائي الكندي كجريمة يعاقب عليها ، وتتجاوز عقوبتها الجزاء الشخصي لتطال المسؤولية المدنية والتعويض عن الضرر الذي لحق بالضحايا .
إلا أن المقلق في هذه القضية هو الدور الذي تلعبه المنصات الرقمية الكبرى ، مثل الفيسبوك واليوتيوب ، التي سمحت بإستمرار نشر خطاب الكراهية ديال المسمى جيراندو فالقوانين الكندية والدولية تضع على هذه المنصات مسؤولية جزئية ، على الأقل في منع المحتوى الضار ومع ذلك، نجد أن الخوارزميات وأدوات التحكم غالبا ما تكافئ المحتوى المثير للجدل أو العنيف ، لأن هذا يولد تفاعلا أكبر ومشاهدات أكثر ، ما يجعل المنصات غير ملتزمة فعليا بحماية الضحايا من الأذى النفسي والإجتماعي .
وهنا السؤال الذي يطرح نفسه قانونيا وأخلاقيا لماذا تسمح هذه الشركات بخطاب الكراهية على منصاتها ؟؟؟ هل بسبب تقصير في المراقبة !! أم بسبب تضارب مصالح تجارية مع مسؤولية حماية المستخدمين ؟؟؟؟ هذا يسلط الضوء على الحاجة لتطبيق قواعد صارمة للمساءلة ، بحيث لا يقتصر العقاب على الفاعل الفردي ، بل يشمل المنصات التي تستثمر في إنتشار الكراهية ، وتربح من التفاعل على حساب حقوق الآخرين ،كما يجب على السلطات الكندية التأكد من تنفيذ القانون بكفاءة ، ومساءلة المنصات عن أي تقصير ، بما يحمي الضحايا ويمنع تكرار الإنتهاك .
إن هذه القضية تضع حدودا واضحة لحرية التعبير فهي حق مكفول ، لكنه مسؤولية لا يمكن أن تستخدم هذه الحرية لإلحاق الضرر بالآخرين أو لتجاوز القوانين الوطنية والدولية . فالقانون يوفر أدوات الردع عبر العقوبات الجنائية والمدنية، كما يوفر آليات للمساءلة، إلا أن تفعيل هذه الأدوات يتطلب يقظة من المنصات والسلطات لضمان عدم إفلات أي متجاوز من العقاب، وحماية الضحايا ومنع تكرار الإنتهاك.
إن قضية هشام جيراندو ومن على شاكلته تمثل درسا واضحا في مخاطر الفوضى والسيبة الرقمية، وما يمكن أن تخلفه من إعتداءات جسيمة على الحقوق الأساسية للأفراد ، فالمساءلة القانونية للفاعل ، والمساءلة الرقابية للمنصات، وإلتزام السلطات الوطنية و الدولية بواجبها في الحماية والتقنين، تشكل مجتمعة الركائز الضرورية لضمان التوازن بين حرية التعبير وصيانة الحقوق الفردية ، فالأمان الرقمي والكرامة والسمعة حقوق غير قابلة للمساومة، ولا يجوز أن تنتهك تحت أي ذريعة أو شعار ،كما أن كل من يختار اليوم أو غدا، مراسلة أو دعم أو تغذية هذا النوع من الممارسات بهدف الإضرار بالآخرين ، عليه أن يدرك أن الفضاء الرقمي لم يعد خارج المساءلة، وأن دولة الحق والقانون كفيلة، مع مرور الوقت، بكشف المسؤوليات وترتيب الآثار القانونية المترتبة عنها.