مولاي العباس رجل أعمال ناجح، بنى ثروته من الصفر.حياته تجسيد للنجاح والوفرة حتى اصبح اسمه يذكر بين كبار المستثمرين. كل شيء في حياته يوحي بالفخامة واليسر: قصر فخم يطل على المدينة الصاخبة، سيارات فارهة، مالذ وطاب من الاكل وأسلوب حياة لا يعرف القلق. بالنسبة له، كان كل شيء في حياته هو السباق نحو القمة، والمزيد من النفوذ والثراء.
لكن القدر كان يخطط لامتحانه بأقسى الطرق. بدأ الأمر على شكل أعراض طفيفة. لاحظ أنه يجد صعوبة في قراءة الحروف الصغيرة في وثائقه، ثم باتت الأضواء الساطعة تربكه، وكأنها تزيد من ضبابية الرؤية بدلاً من تحسينها. تجاهل الأمر في البداية ولم يعره اهتماماوأرجعه إلى الإرهاق أو قلة النوم. لكن خلال أسابيع، تفاقمت حالته، وتدهورت رؤيته اكثر.أصبح يواجه صعوبة في التعرف على وجوه موظفيه، أو قراءة اللافتات في الشارع، أو حتى الاستمتاع بالمنظر البانورامي من شرفة منزله.
بدأ القلق يتسلل إلى قلبه، فقرر زيارة طبيب العيون. وبعد سلسلة من الفحوصات الدقيقة، جاءه التشخيص المفجع.
قال الطبيب بحسرة:
“سيدي، لديك مرض نادر في العين، وهو في مراحله المتقدمة. بدون تدخل جراحي، قد تفقد بصرك تمامًا.”
تجمدت ملامح مولاي العباس من هول الصدمة. لم يكن يتوقع أن يتحول خلل بسيط في الرؤية إلى تهديد دائم بسلب بصره.
سأل بقلق: “وماذا يمكن فعله ايها الطبيب؟”
أجابه الطبيب بواقعية قاسية: “هناك جراحة قد تساعد و متاحة في الخارج، لكنها معقدة، ويجب ان اكون صادقا،فرص النجاح فيهاضئيلة للغاية.”
أرعبته فكرة العمى. لم يستطع النوم لعدة ليالٍ، وكلما أغلق عينيه تخيل عالمًا غارقًا في الظلام الأبدي. ومع ذلك، قرر المجازفة وجدولة الجراحة رغم قلة الامل في نجاحها فحجز موعدًا للعملية، ورتب كل الترتيبات للسفر خلال أسبوع.
قبل موعد سفره، كان لديه اجتماع عمل مهم في المدينة. في صباح ذلك اليوم، خرج من منزله واستقبلته نسمات الصباح الباردة، لكنه لم يشعر بشيء سوى ثقل القلق الذي يسكن صدره ويشوش ذهنه بمصير بصره. وعندما مدّ يده لفتح باب سيارته، لفت انتباهه مشهد غير مألوف عبر الشارع على الجانب الآخر.بالقرب من حاوية القمامة، راى امرأة ترتدي ملابس رثة تنبش بين القمامة بيدين مرتجفتين.بدت المراة في أواخر الأربعينات من عمرها، ترتسم على وجهها علامات المعاناة وشظف العيش . راقبها مولاي العباس بذهول وهي تخرج دجاجة نافقة متعفنة، تمسك بها كما لو كانت كنزًا ثمينًا.
شعر بغصة في قلبه، وخليط من الاشمئزاز والشفقة. كيف يمكن لإنسان أن يصل إلى هذا الحد؟ ومن تكون هذه المرأة؟
دون تفكير، قرر أن يتبعها .سارت المرأة بسرعة، ممسكة بالدجاجة كما لو كانت آخر أمل لها. انعطفت إلى زقاق ضيق تصطف على جانبيه بيوت صغيرة متداعية. أوقف مولاي العباس سيارته وتبعها سيرًا على الأقدام.
ناداها بلطف: “عذرًا، أيتها السيدة!”
توقفت فجأة، وقد ارتسمت على وجهها علامات الخوف والخجل.
قالت بصوت مرتجف: “نعم، سيدي؟”
تردد قليلًا، ثم قال: “رأيتك عند حاوية القمامة… لماذا كنتِ…؟”كان غير متاكد من كيفية صياغة سؤاله.
احمرّ وجه المرأة بشدة، وقبضت على الدجاجة بقوة أكبر. همست متوسلة: “أرجوك سيدي، لم أقصد أي سوء. فقط… كنت بحاجة إلى شيء أطعم به أطفالي.”
انكسر صوتها، وامتلأت عيناها بالدموع. واصلت كلامها بصعوبة: “إنهم أيتام. توفي زوجي العام الماضي. ليس لدي أي دخل، ولا عائلة تساعدني. لم يأكلوا منذ يومين.لم اعرف ماذا سافعل.”
وقف مولاي العباس مذهولًا. شعر بكلماتها وكأنها سكاكين تمزق قلبه، لم يكن يتخيل أن هناك من يعيش على هامش الحياة بهذا الشكل. كان المشهد ضربة قوية له، مقارنة بحياته المترفة.
سألها بلطف: “أين تعيشين؟”
ترددت قليلًا، ثم أشارت إلى منزل صغير على بعد خطوات.كان بالكاد قاءما ،جدرانه مشققة وسقفه على وشك الانهيار .تبعها مولاي العباس الى الداخل.كان المنزل شبه فارغ باستثناء بعض الاثاث القديمة .في زاوية الغرفة ،تجمع ثلاثة أطفال صغار، بوجوه شاحبة وأعين جوفاء من الجوع. نظروا إليه بخوف وفضول حذر، وكأنهم لم يروا شخصًا مثله من قبل.
دون تردد، قال للمرأة: “انتظريني هنا.”وغادر مسرعًا.
توجه إلى أقرب سوق، وملأ عربته بالطعام: الأرز، الطحين، الخضار، الحليب، اللحم، وحتى بعض الحلويات للأطفال.
عندما عاد، كانت المرأة تقف عند الباب بحيرة وقلق. سلمها الأكياس قائلًا: “هذه لكِ.”
اتسعت عيناها من الدهشة. تلعثمت وهمست بصوت مختنق: “سيدي… لا أستطيع قبول هذا… إنه كثير جدًا!”
ابتسم وقال: “إنه أقل مما تستحقون.فهذا ليس كثير.”
انهارت بالبكاء، وهوت على ركبتيها قائلة:” شكرا لك سيدي! لاتعلم كم يعني لنا هذا،باركك الله.”لكنّه رفعها برفق.ثم حمل الاكياس الى الداخل.اضاءت وجوه الاطفال عندما راو الطعام.ركضوا نحو أمهم، يتشبثون بها وكان الحياة قد عادت إليهم . كانت ابتساماتهم الصغيرة كضوء شق ظلام المعاناة.
عندما غادر مولاي العباس ذلك المنزل، تملكه احساس فريد : سلام داخلي لم يعهده من قبل.
في صباح اليوم التالي، ذهب إلى المستشفى لإجراء الفحوصات الأخيرة قبل السفر لاجراء العمليةالجراحية. جلس في غرفة الفحص، متوترًا، يعد نفسه لاسوأ الأخبار.
أجرى الطبيب سلسلة من الاختبارات، ثم تجمد في مكانه بدهشةغير متوقعة.
سأله مولاي العباس بقلق: “ماذا هناك؟”
رفع الطبيب بصره وقال باندهاش: ” مولاي العباس لا أستطيع تفسير هذا…تعافيت و حالتك سليمة تمامًا. نظرك عاد طبيعيًا. لم تعد بحاجة إلى الجراحة.”
حدّق فيه مولاي العباس وهو لايصدق ما يسمع. “هل أنت متأكد؟”
أجابه الطبيب: “أنا متأكد. إنه أشبه بمعجزة.”
خرج من المستشفى، وقلبه ينبض بقوةولسانه لا يفتر عن الامتنان.لم يستطع تفسير الواقعة. كان متيقنًا في أعماقه أن ما حدث له لم يكن صدفة. لقاءه بتلك المرأة له علاقة بالامر.مساعدته لها، دعواتها،شكرها ودموعها.كله ذلك أيقظ داخله شيئًا لا يمكن تفسيره بالكلمات.منذ ذلك اليوم، تغيّر مولاي العباس واخذت حياته منحى جديدا. بدأ يسخر ثروته لاهداف اسمى :يزور الاحياء الفقيرة،ويوفر الملابس للعائلات المحتاجة ، يعتني بالأيتام، ويغيث من تقطعت بهم السبل.
وفي أحد الأيام، بينما كان يسير في سوق مزدحم، سمع صوتًا مألوفًا يناديه:
“سيدي، انتظر!”
استدار، فرأى المرأة التي ساعدها، ووجهها يشع بالامتنان. كانت تمسك بأيدي أطفالها الثلاثة الذين بدوا أكثر صحة وسعادة.
قالت بحماس: “بفضلك،سيدي، نجونا.لقد كنت ادعوا الله ان يمن علي برؤيتك مجددا.أطفالي في المدرسة الآن، وقد وجدتُ عملًا . لا أعرف كيف أشكرك!”
ابتسم مولاي العباس وقد فاض قلبه بالمشاعرفقال: ” هذا يسعدني جدا.فقط أعديني بشيء واحد—ساعدي الآخرين عندما تستطيعين. مرري المعروف.”
أومأت المرأة، وامتلأت عيناها بالدموع. عندما ابتعد مولاي العباس، شعر بصفاء روحي مكنه من رؤية الحياة بشكل أوضح من أي وقت مضى. ادرك ان الثروة الحقيقية لا تقاس بمال او ممتلكات بل بالارواح التي نحييها والحب الذي نشاركه في مساعدة الآخرين.لم يستعد مولاي العباس بصره فقط بل وجد هدفا جديدا لحياته .