العمل النقابي المكافح، والوصولية المنقبة:

0 318

ذ.عبد الله إكي

كان العمل النقابي ومازال من المنظور الديمقراطي الأصيل؛ آلية لتقويم المسار الحكومي في تعاطيه مع حقوق فئة العمال والأجراء، بمختلف شرائحهم المهنية، بيد أن هذا المفهوم ولى أو بالأحرى تم اختراقه بفعل عدة تحديات ومتغيرات اقتصادية، فتحول لدى كثير من الأنظمة الشمولية؛ إلى ممالأة ومهادنة وعمل صوري في مظهره وانتهازي في خلفيته، ولتتضح المفارقة أكثر بين نشاط نقابي أصيل وآخر دخيل وكسيح، تكفي الإشارة إلى موجة الإضرابات التي تجتاح هذه الأيام بلدانا أوروبية عديدة، على خلفية الحرب الروسية الأوكرانية وتداعياتها على أسعار المواد الطاقية والأجور والمرتبات، فهناك شبه شلل عام تعرفه قطاعات حيوية كالنقل والتعليم.. حاولت هذه الحكومات بشتى الوسائل احتواء رقعة هذه الإضرابات، بيد أن جسمها النقابي كان صلبا وأقوى من أن تخترقه أية مناورة، على الرغم من أنصاف الحلول التي كانت الحكومة تلوح بها في كل لقاءاتها مع ممثلي القطاعات المضربة، بينما؛ ومن الواجهة الأخرى؛ نجد أن الجسم النقابي عندنا بالكاد مشلول، يصدر وبإيماءات من الحكومة في معظم الحالات.
التعدد النقابي والتشتت الحقوقي:
في إطار سياسة الاختراق تبنت السلطات الحكومية عدة سيناريوهات، أبرزها استنبات أجسام نقابية مضادة من القطاع نفسه، فنجد أن قطاع النقل الداخلي على سبيل المثال؛ (النقل الطرقي العمومي) تتقاسمه أكثر من عشر نقابات، وأحيانا نجد أن كل “حزب سياسي” مستقل بنقابته، وإذا أحصيناها فسنجدها تتجاوز الـ40 نقابة، بعضها ذات انتماء نقابي سياسي أكثر تمثيلية، والبعض الآخر تنتفي عنه هذه الصفة، وهي في عمومها تتلقى “الدعم المالي” من الدولة وتحظى فروعها الإقليمية على مستوى “رؤساء مكاتبها” بالمودة والقرب من السلطات المحلية، بل وتتلقى منها بين الحين والآخر وخلال الظروف السياسية الساخنة؛ إشارة التجمهر والمظاهرات “الاحتجاجية”، وشن إضرابات أغلبها وهمية محلية ليوم أو يومين.
بالأمس أو بالأحرى في سبعينات إلى التسعينات من القرن الماضي، كانت كلمة “إضراب” ووقعها في الأسماع تثير الذعر، بمثابة صاعقة ينتظر نزولها من السماء، حينها كانت الحكومة يسودها حالة من الاضطراب، تسعى جاهدة بكل وسائلها لتطويقه والعمل على إفشاله، وفي أحيان عديدة كان يصل فيها الحوار لجلستين متتاليتين أو منفصلتين بين الحكومة والنقابة إلى طريق مسدود، وذلك من خلال التمسك بأخلاقيات المبادئ النقابية الشريفة، والتي حاولت الحكومات إخراسها وإغراءها بالمحسوبية والزبونية…. عادة ما كان الإضراب يشل الحركة في القطاعات المضربة كالتعليم والصحة والجماعات المحلية الذي كان يشلها في عموم التراب الوطني.
لكن العمل النقابي اليوم فقد أفرغته الحكومات المتعاقبة من مدلوله الحقوقي، فصار مبتذلا، قلما يلتزم به مهنيو القطاعات المضربة، فنجد “على سبيل المثال” تجمهر أرباب سيارات الأجرة وإضرابهم عن العمل؛ في مدينة معينة مثلا؛ ولكن وفي آن واحد تجد آخرين يجوبون الشوارع بسياراتهم مكسرين علنا “الالتزام بالإضراب”، ومنهم من لا يعلم مطلقا لأية مطالب يسعى المضربون إلى تحقيقها.. ومنهم فئة فقدت الثقة في الإضراب والمضربين!
بيد أن هناك قطاعات؛ ولو على قلتها وندرتها؛ لها نقابات صلبة ومتماسكة في مواقفها ولا تقبل بأنصاف الحلول، كنقابة المحامين ونقابة التعليم العالي ونقابة البنوك وعدد القطاعات العامة الأخري.لمبادئها ومواقفها تجاه الإجراءات المجحفة التي كانت تنوي الحكومة تنزيلها.
وفي خضم هذا التهافت النقابي وتعدد أوجهه الإنتهازية، تضيع حقوق معظم مهنيي القطاعات الخدماتية والوظيفية والمهنية… إلى درجة أن دبّ اليأس إلى قلوب هؤلاء، فولو وجهتهم إلى مختلف منابر التواصل الاجتماعي يبثون أصواتهم وآلامهم ومطالبهم،وما نجده اليوم من حراك تعليمي وصحي وفي الجماعات المحلية دليل على تهاوي تقة الشغيلة في تلك النقابات وحسب المندوبية الساميةللتخطيط أن نسبة إنخراط الشغيلة فيها لا تتعدى أربعة في المئة من مجموع الأجراء .

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.