*الصحافة في المغرب إلى أين؟*.

0 255

بقلم :خالد امين
تعيش الصحافة المغربية في أزمة ليس فقط بسبب ما تتخبط فيه المنابر الإعلامية من مشاكل وما يعانيه رجال ونساء الإعلام من نقص في المعلومات ومن تردي وضعهم المادي والاجتماعي، ولكن أيضا بسبب المحاكمات التي سلطت على رقابهم طيلة السنين الأخيرة، فالكثير من المنابر أصبحت بسببها مهددة بالإغلاق والإفلاس.. ولذلك فإن المهنيين والحقوقيين المهتمين بالموضوع ينتظرون إخراج قانون صحافة ونشر جديد، يعيد لصاحبة الجلالة هيبتها بين السلط خاصة أن بلادنا التي ينخرها الفساد ومختلف الأدواء بحاجة لسلطة رابعة رائدة وفاعلة.
فرجال الإعلام المغاربة والحقوقيون المعنيين بحرية الرأي والتعبير ينتظرون إصدار قانون الصحافة والنشر الجديد بفارغ الصبر، لكن آمالهم أيضا منصبة على ضرورة الحذف النهائي للعقوبات السالبة للحرية في جرائم الصحافة، وينتظر من نواب الأمة أن يدخلوا تعديلات عليه تتماشى والانتظارات لتصحيح الوضع الحالي المتميز بإعدام القضاء لعدد من المنابر الإعلامية والحكم عليها سواء بالحبس أو بغرامات مالية ثقيلة تفوق الحدود المعقولة بسبب اتهامها بارتكاب جرائم وجنح السب والقذف.
فالمشروع الذي أعدته الحكومة سبق أن انتقدته العديد المنظمات الوطنية والدولية، لا يمكنه “أن يؤمن الضمانات الضرورية لحماية الصحافيين”، وبواعث القلق تكمن في “الحفاظ على مواد تنص على عقوبات بالسجن في حق كل من يرتكب جنح صحافة بالإضافة إلى معظم الأحكام القانونية التي ساهمت في إدانة الصحافيين في السنوات الأخيرة، التي تم حذفها في المشروع الذي يناقش الآن بالبرلمان لكنه تم الحاقه بمشروع القانون الجنائي أي أن العقوبات السالبة للحرية لا تزال تلاحق الصحافيين وخاصة المرتبطة بالاتهامات الأكثر رواجا في هذا الصدد، “إهانة شخص الملك” و”إهانة قدسية المؤسسات”، وذلك استنادا إلى مواد تعتبر تقييدية فضلا عن السجن ، تمنح القضاة إمكانية تعليق أي منشور أو إقفاله نهائيا.
ورغم الادعاء بأن شروط المحاكمة العادلة يتم توفيرها في قضايا الصحافة، فإنه في كثير من الأحيان يتم التركيز على الجوانب الشكلية فقط منها، لأن أغلب القضاة الذين ينظرون في تلك النوعية من الملفات ليسوا متخصصين في قضايا الصحافة وغير مطلعين على أدبيات المهنة، ولذلك تكون الأحكام في الغالب غير متناسبة مع التهمة وموضوع المتابعة، فيكون اللجوء للغرامات والتعويضات الخيالية المراد منها توقيف تلك المنابر وليس شيئا آخر، وهو ما تكرر خلال السنوات الأخيرة في عديد من الملفات التي أعدمت منابر عديدة.
أولا: قانون الصحافة والنشر رقم 88.13
لا يستطيع المرء الادعاء بأن المغرب قد تخلف كثيرا عن إدراك حقيقة أن البناء الديمقراطي لا يمكن أن يقوم ويتقوى، إلا بتوفر مناخ من حرية التعبير، ومن ثمة من حرية الإعلام والصحافة. على العكس من ذلك، فقد تم استحضار هذا البعد في مختلف النصوص التأسيسية الكبرى، منذ دستور المغرب المستقل عام 1962، إلى حدود دستور عام 2011، بيد أن الممارسة على الأرض لم تكن دائما في مستوى ما بشرت به الدساتير أو سنته اللوائح والقوانين والتشريعات.
ومعنى هذا أنه بجل قوانين الصحافة التي سنها المغرب، ابتداء من قانون 1958 إلى حين دخول قانون الصحافة والنشر الحالي حيز التنفيذ. مرورا بقانون 2002، لم تتم الإشارة إلى مسألة حرية الإعلام والصحافة إلا في ديباجة هذا القانون أو ذاك، وفي مواد محتشمة، وفي ما سوى ذلك لم يخرج المشرع وبجل هذه القوانين، عن فلسفة سن وتشديد العقوبات السالبة للحريات الصحافية من سجن للصحفيين، ومصادرة للمنشورات، ومتابعات بالغرامات، وما سوى ذلك.

بعد إقرار الوثيقة الدستورية بالمغرب لسنة 2011 وما تضمنه من توسيع لمجال الحريات وتشجيع على التنظيم الذاتي والديموقراطي والمستقل لمهنة الصحافة وضمان للحق في الوصول للمعلومة، تم في أكتوبر 2012 تعيين اللجنة العلمية للحوار والتشاور حول مشروع مدونة الصحافة والنشر برئاسة محمد العربي المساري، حيث استقرت اللجنة على استخراج ثلاثة مشاريع قوانين اصطلح عليها بمدونة الصحافة والنشر.

ثانيا: القانون الأساسي للصحفيين المهنيين رقم 13.89
عرف قطاع الصحافة هذه السنة نهضة تشريعية تجلت في إصدار لأول مرة قانونا ينظم “المجلس الوطني للصحافة” وتعديل قانون الصحافة والنشر وقانون الصحفيين المهنيين، كتتويج لمسار الإصلاحات السياسية التي أطلقها المغرب بموجب الوثيقة الدستورية 2011 وتدعيها لحرية الرأي والتعبير والحق في الحصول على المعلومة.
وقد تضمن هذا القانون العديد من المستجدات، تتعلق أساسا بتحويل صلاحية منح بطاقة الصحافة للمجلس الوطني للصحافة بالإضافة إلى التنصيص على شرط المؤهل الجامعي أو الاستفادة من نظام التكوين المستمر من أجل الولوج إلى ممارسة الصحافة المهنية، كما تضمن بعض المقتضيات لتحصين مهنة الصحافة من المتورطين في جرائم الاتجار في المخدرات أو النصب أو الابتزاز أو الاحتيال أو الارتشاء أو استغلال النفوذ كما منح صلاحية سحب البطاقة المهنية للقضاء وليس الإدارة. وهدف هذا القانون إلى تكريس مبدأ استقلالية الصحفي عبر جعل منح البطاقة والولوج إلى المهنة من اختصاص المهنيين. كما نص هذا القانون على أن فترة الاختبار التي تشغل فيها المؤسسة الصحفية صحفيا مهنيا لا يجوز أن تتجاوز ثلاثة أشهر.
كما يحق للصحفي المهني أن يرفض نقل خبر أو بثه للجمهور بتوقيعه عندما تدخل عليه تغيرات جوهرية دون رضاه، وأما بخصوص المقتضيات الخاصة بالصحفي المهني المعتمد فتمنح له البطاقة من طرف الإدارة لمدة سنة وتجدد وفق الكيفيات المحددة بنص تنظيمي. ويتعين على الصحفيين المعتمدين ومن في حكمهم أن يزاولوا مهنتهم في احترام تام للنصوص التشريعية الجاري بها العمل وميثاق أخلاقيات المهنة.

ثالثا: قانون رقم 90.13 القاضي بإحداث المجلس الوطني للصحافة
قانون المجلس الوطني للصحافة الذي يحمل رقم 90.13 بالجريدة الرسمية بتاريخ 7 أبريل 2016، ويهدف إلى تطوير حرية الصحافة والنشر والعمل على الارتقاء بالقطاع، وتطوير الحكامة الذاتية لقطاع الصحافة والنشر بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية كما تنص على ذلك المادة الأولى منه.

إذ يندرج هذا القانون في إطار تنزيل أحكام الفصل 28 من الدستور الذي ينص على تشجيع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة بكيفية مستقلة وعلى أسس ديمقراطية وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به. ويهدف هذا القانون إلى التنظيم الذاتي للجسم الصحفي، كما يضطلع بمهام الوساطة والتحكيم ويعمل على تعزيز احترام أخلاقيات المهنة والارتقاء بالممارسة الصحفية وكذا تتبع حرية الصحافة.
يذكر أن المجلس الوطني للصحافة يتألف حسب نص القانون من 21 عضوا موزعين على 7 أعضاء ينتخبهم الصحافيون المهنيون من بينهم مع مراعاة تمثيلية مختلف أصناف الصحافة والإعلام، و7 أعضاء ينتخبهم ناشرو الصحف من بينهم، إضافة إلى سبعة أعضاء آخرين وهم ممثل عن المجلس الأعلى للسلطة القضائية، وممثل عن المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وممثل عن المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، وممثل عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وممثل عن اتحاد كتاب المغرب، وناشر سابق تعينه هيئة الناشرين الأكثر تمثيلية، وصحافي شرفي تعينه نقابة الصحافيين الأكثر تمثيلية .

ويعهد بمقتضى هذا إلى أن المجلس الوطني للصحافة يتولى وضع ميثاق أخلاقيات المهنة ومنح بطاقة الصحافة المهنية وممارسة دور الوساطة، في النزاعات القائمة بين المهنيين وكذا النظر في القضايا التأديبية التي تهم المؤسسات الصحفية والصحفيين الذين أخلوا بواجباتهم المهنية وميثاق أخلاقيات المهنة

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.