الشباب المسلم بالبرازيل.. مسارات فردية بحثا عن هوية جماعية
على غرار الملايين من الشباب المقيمين في مختلف البلدان التي يعتبر فيها دين الإسلام أقلية، يحرص الشاب المسلم في البرازيل على تشكيل هويته الدينية تماشيا مع الواقع المعيش بهذا البلد الجنوب أمريكي حيث اختار الاقامة. وهي مهمة ليست حتما بالسهلة.
وسواء أكانوا من البرازيليين الذين ارتضوا الاسلام دينا لهم واعتنقوه أو من المهاجرين أو المنحدرين من الجيل الثاني أو الثالث في البرازيل، فإن الشباب المسلم في عملاق أمريكا اللاتينية يتقاسم مسارات فردية تفضي إلى الانصهار الكامل ضمن الفسيفساء الثقافية البرازيلية دون التفريط في تراثهم الإسلامي.
وفي هذا السياق، تقول خالدة بويان (20 عاما) من أم برازيلية وأب من البنغلاديش، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، إن العيش وسط مجتمع منفتح، لكن وبعيدا شيئا ما عن المراكز الرئيسية للفكر الإسلامي، يجعل العديد من الشباب البرازيليين متعطشين لتعميق معارفهم الدينية، التي عادة ما يتم اكتسابها داخل الوسط الأسري.
وعلى الرغم من أن البرازيل تتميز بكونها بوتقة للانصهار الثقافي والديني، غير أن هذه الطالبة التي تدرس في شعبة التواصل، تواجه صعوبات عندما يتعلق الأمر بالعثور على إجابات لبعض الأسئلة الوجودية المرتبطة بحياتها في البرازيل.
وفي الواقع، تقول خالدة، إنها، بعد تعلم أركان الإسلام عن طريق والدها ومن خلال تواصلها، في أحايين قليلة مع أقاربها في بنغلاديش، لا تخفي اندهاشها من أن شرح الدين الإسلامي في البرازيل يتم عن طريق اللغة العربية لمسلمين يتقنون بشكل أكبر اللغة البرتغالية.
وفي تقدير الشابة، التي كرست سنوات عديدة لتعلم اللغة العربية من أجل معرفة أفضل لدينها، فإن الخدمات الدينية المقدمة في المساجد البرازيلية هي موجهة بشكل أكبر للجاليات المهاجرة التي لا تزال تحافظ على الروابط مع بلدها الأصل. فالشباب الذي نشأ وترعرع فقط في البرازيل ولديه متطلبات أخرى، يواجه صعوبة في إيجاد نفسه في هوية دينية لم يساهم في تشكيلها، ومن ثمة تنبع الحاجة إلى سعي دائم لمصادر أخرى من المعرفة، تقول خالدة خلال إحدى زياراتها للمركز الإسلامي البرازيلي بالعاصمة برازيليا في شهر رمضان الفضيل.
وحسب خالدة، فإن قلة المراجع حول الإسلام باللغة البرتغالية وعدم وجود مرشدين دينيين مكونين في اللغة البرتغالية يعتبر عائقا يحد بعض الشيء من قدرة الشباب البرازيلي على النهل من جميع المعارف الدينية والثقافية والحضارية التي يقدمها الاسلام.
وقالت إن مثل هذا الحاجز اللغوي يمكن أن يجلب الكثير من المخاطر للشباب البرازيليين، مستدلة على سبيل المثال بشبكة الإنترنت والتي في غياب المواكبة يمكن أن تكون وسيلة للبحث ذات حدين، إذ يمكن أن تساعد الشباب في التقرب أو الابتعاد عن الدين الذي يدعو إلى السلام والتسامح ومحبة الأخر.
ويشاطرها الانشغال ذاته زهير برحيل، الذي يشتغل بالمركز الإسلامي الوحيد المتواجد بالعاصمة، فهو يعتبر أن هناك حاجة حقيقية لتعزيز الدعم للشباب البرازيلي المسلم لاكتشاف دينه.
فبالنسبة لهذا المغربي الذي يقيم بالبرازيل منذ نحو 15 سنة، تمثل الأسرة الحلقة الأولى لتعلم الدين، في وقت يتعين على المساجد أن تتولى أدوارها في تمكين الشباب المسلم من الأدوات اللازمة لتطوير ذواتهم في المجتمع سواء على المستوى الديني أو الاجتماعي أو الثقافي.
وأضاف زهير أن العديد من المراكز الإسلامية في المدن التي تعرف تواجدا كبيرا للجالية المسلمة، بدأت تعمل على تقديم خطب الوعظ والارشاد باللغة البرتغالية، مشيرا إلى أنها ليست إلا مسألة وقت ليتم تعميم المبادرة.
جواو ريتش، الذي أصبح يحمل اسم محمد يحيى، يعترف أنه واجه صعوبات عندما اختار اعتناق الإسلام قبل أربع سنوات، مشيرا إلى أنه لم يندم أبدا على قراره، بيد أن الأصعب بالنسبة إليه كان هو إقناع عائلته بقراره.
فبالنسبة لهذا الطالب الشاب الذي يدرس الفلسفة والدين المقارن، جاء اعتناقه للإسلام بشكل طبيعي، على اعتبار أن هذا الدين الذي يدعو إلى الاحترام والسلام جلب نموذجا لحياة متكاملة الجوانب تستجيب للمتطلبات الروحية.
ويقول يحيى المنحدر من مدينة سلفادور دي باهيا، وهي أولى الآماكن التي استقبلت الإسلام خلال سنة 1550 مع وصول أولى دفعات العبيد الأفارقة للعمل في مزارع قصب السكر، إنه أعجب بالبصمات التي تركها الاسلام في هذه المدينة، وكان ذلك منبع فضوله المستمر لمعرفة الكثير عن تاريخ الديانة السماوية الثالثة في البرازيل.
وعلى العموم ، فإنه بصرف النظر عن المسار الذي يسلكه الشباب المسلم بالبرازيل، يظل الانشغال الرئيسي متمثلا في معرفة الدين وبناء هوية دينية جماعية يتعين نقلها إلى الأجيال القادمة.