الحرية الأكاديمية ورأسمال الأستاذ الجامعي: من صناعة المعرفة إلى صناعة المستقبل

0 396

 

*مهنة القيادة الأكاديمية بين المرئي والمخفي ورهان التنمية الوطنية*

بقلم: الدكتور *محمد محاسن*

*ملخص المقال*

أسلط في هذا المقال الضوء على الدور القيادي الذي يضطلع به الأستاذ الجامعي في التنمية العلمية والمعرفية والمجتمعية، من خلال إبراز الرأسمال الأكاديمي والرمزي الذي يقدّمه عبر أنشطته غير المرئية. كما أناقش فيه أهمية الحرية الأكاديمية كشرط وجودي للبحث العلمي، وأتوقف عند التحديات الراهنة المتمثلة في اختلال التوازن داخل الحقل الأكاديمي واستقطاب الكفاءات. يخلص المقال إلى أنّ الاعتراف الحقيقي بالأستاذ الجامعي هو اعتراف بقدرة الوطن على صناعة مستقبله بثقة وابتكار.

*الكلمات المفاتيح:*

القيادة الأكاديمية – الأستاذ الجامعي – الحرية الأكاديمية – الرأسمال الرمزي – البحث العلمي – هجرة الأدمغة – التنمية الوطنية – اليونسكو

 

*توطئة*

ليست الجامعة مجرد فضاء لتلقين المعارف فحسب، بل إنها – قبل ذلك وبعده – مختبر استراتيجي لبناء الابتكار وآليات صناعة مستقبل الأمم.

في عمق هذا المختبر يقف الأستاذ الجامعي قائداً هادئاً ومساهماً فاعلاً في صياغة وعي الأجيال الجديدة وفي بلورة اقتصاد المعرفة الذي يضمن للدولة موقعها بين الأمم المتقدمة.

ومع ذلك، تتواصل محاولات اختزال دوره في حدود الحصص الدراسية والتقييم البيداغوجي، متجاهلين ذلك العمل العميق الذي يتم في الظل، والذي يمنح الأستاذ قيمته الحقيقية ومكانته الرمزية.

1) *بين المرئي والمخفي: الدور الذي يُصنع في الظل*

في الوقت الذي تركّز فيه بعض المقاربات الإدارية على ما يُرى بالعين المجردة من ساعات تدريس ومحاضر اجتماعات، يغيب عن الوعي العام أنّ الجزء الأعظم من الجهد الأكاديمي يحصل بعيداً عن الأضواء: إعداد المناهج وتطوير أدوات التفكير والإشراف النوعي ومواكبة وتطوير البحث العلمي والمشاركة في المنتديات العلمية الوطنية والدولية. هذا الجزء «المخفي» هو الذي يصنع أثر الأستاذ الجامعي وشرعيته العلمية.

فتجاهل هذا الرأسمال المعرفي والرمزي يشكل شكلاً من العنف الرمزي (1)، حيث تُنتزع من الأستاذ مكانته القيادية ليُختزل في تنفيذ مهام مرئية فقط.

2) *أزمة التوازن في الحقل الأكاديمي*

يتوزع الأكاديميون – بحكم أولوياتهم – إلى نموذجين يغذيان توتراً خفياً:

§ فئة تركّز على التدريس والحضور الإداري الظاهر، لكنها تتراجع بحثياً ولا تسهم في الإشعاع العلمي.

§ وفئة تنهمك في البحث والنشر والاعتراف الدولي، لكنها تترك فراغاً قاتلاً داخل المؤسسة، فتسود ثقافة “الترقي الشكلي” و“النجاح البيروقراطي”.

فلا الأول يقود الأكاديمية … ولا الثاني يحميها من الداخل …

لذلك أصبحت استعادة التوازن ضرورة إستراتيجية لا ترفاً تنظيرياً،

فالتوازن وحده هو القادر على ضمان رسوخ القيادة الأكاديمية وفاعلية الجامعة كمؤسسة معرفية وتنويرية.

3) *القيادة الأكاديمية: وظيفة تتجاوز حدود المدرج*

القيادة الأكاديمية ليست لقباً ولا امتيازاً، بل إنها وظيفة تأثير وتأطير وبناء رمزي تتجلى في مستويات متعددة:

§ قيادة معرفية: إنتاج الأفكار وتطوير العلوم

§ قيادة بيداغوجية: تنمية التفكير النقدي وإلهام المتعلمين

§ قيادة مجتمعية: التأثير في الوعي والذوق والقيم واتجاهات التقدم

فالأستاذ الجامعي ليس موظفاً يؤدي مهاماً مقرّرة، إنه بوصلة حضارية تدل المجتمع على طريق المستقبل.

4) *الحرية الأكاديمية: روح الجامعة وشرط الحياة فيها*

لا وجود لبحث علمي دون حرية فكرية، ولا إمكانية لتقدم علمي دون استقلالية وحرية في السؤال والمنهج والاستنتاج.

لقد أكدت اليونسكو أن الحرية الأكاديمية هي أساس كرامة الأستاذ الجامعي ومصدر شرعيته العلمية. كما شددت الجمعية الدولية لأساتيذ الجامعات والأساتيذ المحاضرين (IAUPL) خلال الدورة 43 للمؤتمر العام لليونسكو على أن:

” الحريات الأكاديمية أساس كل مجتمع مؤسس على حرية الفكر وكرامة الإنسان … وصون مكانة الأستاذ الجامعي في مواجهة التحديات الجديدة هو توحيد للمعرفة والسلام، بوضع الدبلوماسية الأكاديمية والحقوق الأساسية في صميم الفعل الجامعي.”

فعندما يُمسّ الأستاذ في حريته، يُصيب المساس حرية المجتمع كله.

5) *استقطاب الكفاءات وهجرة الأدمغة: معركة الاستبقاء والتنافس*

تخوض الدول اليوم سباقاً عالمياً محموما من أجل استقطاب عقول الجامعات وعيا منها بأن الأستاذ الجامعي رأسمال استراتيجي لا غنى عنه لبناء التقدم.

فتقارير اليونسكو تؤكد أنّ كل مبلغ مالي يُستثمر في البحث العلمي تتضاعف مردوديته على الاقتصاد الوطني من 4 إلى 7 مرات خلال أقل من عشر سنوات؛ كما أنّ ترتيب الدول في مؤشرات الابتكار مرتبط بمنزلة الأستاذ الجامعي، وبحجم الاستثمار في المعرفة.

فلا اقتصاداً معرفياً دون قادة معرفة … ولا صناعة مستقبل دون صُنّاع العقول …

*عود على بدء*

حين نعمل على الارتقاء بمكانة الأستاذ الجامعي، فإننا نسمو بمكانة المجتمع ذاته، ونحصّن قدرة الوطن على التفكير الحر والابتكار والنهوض.

فالجامعة بلا أساتيذ باحثين يحظون بالتقدير مؤسسة بلا روح …

والعلم بلا حرية جسد بلا قلب …

والمستقبل بلا قيادة أكاديمية طريق بلا اتجاه…

إن الاعتراف بالأستاذ الجامعي هو اعتراف بمستقبل الوطن.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.