م.س: بيان مراكش
في زمن تتقاطع فيه الجغرافيا بالإقتصاد، لم تعد الحروب أحداثا معزولة في خرائط بعيدة ، بل تحولت إلى متغيرات ضاغطة على معيش الناس في أقصى بقاع العالم ، وحين يتعلق الأمر بحرب في الشرق الأوسط، فإن التأثير يتجاوز حدود السياسة إلى عمق المعادلات الإقتصادية الدولية، بالنظر إلى الموقع الإستراتيجي الذي تحتله المنطقة في منظومة الطاقة العالمية ،و من هنا يكتسب السؤال حول إنعكاس هذه الحرب على القدرة الشرائية للمغاربة مشروعيته ،فالمملكة المغربية الشريفة كغيرها من الدول المستوردة للطاقة ، تجد نفسها معنية بكل تحول يطرأ على أسعار النفط وسلاسل الإمداد ، وبين تقلبات الأسواق العالمية وهواجس الغلاء الداخلي، تتجدد الحاجة إلى قراءة متوازنة تستحضر تعقيد السياق الدولي، بقدر ما تستحضر أولوية حماية الإستقرار الإجتماعي وصون جيوب المواطنين من إرتدادات أزمات لا يد لهم فيها .
حين تندلع حرب أو يتصاعد توتر عسكري في هذه المنطقة، فإن أول مؤشر يتفاعل هو سعر برميل النفط ،والزيادة في أسعار الطاقة لا تبقى رقما مجردا في نشرات الإقتصاد، بل تتحول إلى كلفة إضافية على النقل والإنتاج والتوزيع … وبالنسبة لدولة مستوردة للطاقة كالمغرب ، ينعكس ذلك مباشرة على ميزان الأداءات ، وعلى كلفة الإستيراد ، ثم تدريجيا على أسعار عدد من السلع والخدمات في السوق الداخلية ، فإرتفاع كلفة المحروقات يعني إرتفاع كلفة نقل الخضر والفواكه والحبوب، وإرتفاع كلفة الإنتاج الصناعي، ما يخلق ضغطا تصاعديا على الأسعار قد يصل في النهاية إلى المواد الأساسية، وفي مقدمتها الخبز.
غير أن التأثير لا يقتصر على المعطى الموضوعي المرتبط بإرتفاع الكلفة العالمية، بل يتداخل معه عامل آخر لا يقل أهمية و هو سلوك الفاعلين داخل السوق…. ففي أجواء عدم اليقين، تتسع أحيانا هوامش التوقعات والمضاربات، وقد يعمد بعض الوسطاء إلى رفع الأسعار تحسبا لزيادات محتملة أو إستثمارا لظرفية ملتبسة ، وهنا يصبح الفرق كبيرا بين إنعكاس مبرر إقتصادي ، وبين توظيف ظرف دولي لإعادة تشكيل الأسعار بما يتجاوز حدود الضرورة.
فالمغاربة الذين عانوا خلال السنوات الأخيرة من موجات غلاء متتالية بفعل تداعيات الجائحة، وتقلبات المناخ، وإرتفاع أسعار المواد الأولية عالميا، ينظرون اليوم بقلق مشروع إلى أي تطور قد يعيد إنتاج الضغط نفسه على قدرتهم الشرائية ،فالأسرة التي أعادت ترتيب أولوياتها تحت وطأة التضخم، لم تعد تملك هامشا واسعا لإمتصاص صدمات جديدة…
لذلك فإن الرهان لا يتعلق فقط بتتبع منحنى أسعار النفط، بل بمدى قدرة المنظومة الإقتصادية الوطنية على الحد من اإنتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل بأقل تكلفة إجتماعية ممكنة.
وهنا تبدو أهمية السياسات العمومية في لحظات الأزمات مضاعفة ، فإقتصاد السوق وإن كان يقوم على حرية المبادرة والمنافسة، يظل محتاجا إلى إطار تنظيمي فعال يضمن الشفافية ويمنع الممارسات الإحتكارية ،إن تفعيل آليات المراقبة وتعزيز دور مؤسسات المنافسة، وضبط مسالك التوزيع، كلها أدوات كفيلة بالحد من أي إستغلال غير مشروع للظرفية الدولية ،كما أن التواصل الواضح مع الرأي العام حول حقيقة التطورات الإقتصادية يساهم في بناء الثقة وتقليص منسوب الهلع الذي قد يغذي بدوره سلوكيات إستهلاكية غير متوازنة.
و الأمل اليوم أن تبقى إرتدادات الحرب في حدودها الدنيا، وأن لا يتحول النفط إلى ذريعة لرفع أثمان الخبز وسائر المواد الأساسية ، فإستقرار القدرة الشرائية ليس مجرد مؤشر إقتصادي، بل هو عنصر أساسي في معادلة السلم الإجتماعي والتماسك الوطني، والمغرب الذي راكم تجربة في تدبير الأزمات مطالب بأن يواصل تعزيز توازنه بين الإنفتاح على الإقتصاد العالمي وصيانة مصالح المواطنين في فترات الإضطراب.
و من النفط إلى الخبز تمر خيوط كثيرة ومعقدة غير أن جوهر المسألة يظل بسيطا في وعي المواطن أن لا تتحول حرب بعيدة جغرافيا إلى عبء يومي ثقيل على مائدته ، وبين تقلبات الخارج ومسؤوليات الداخل، يبقى الرهان على يقظة مؤسساتية تضمن عدالة السوق، وتحاصر الإحتكار، وتغلق الأبواب أمام تجار الأزمات، حماية لجيوب أنهكها الغلاء، وصونا لاستقرار إجتماعي يحتاج إلى قدر كبير من الحكمة والتوازن.