في خضم النقاشات الجارية حول مشاريع القوانين التي تمس تنظيم مهنة المحاماة، يبرز من جديد سؤال جوهري: هل يتعلق الأمر بإصلاح مهني داخلي، أم أننا أمام قضية مجتمعية تمس جوهر العدالة وثقة المواطن في دولة القانون؟
إن مهنة المحاماة، بحكم موقعها في منظومة العدالة، ليست مجرد مهنة حرة تُمارس وفق ضوابط مهنية، بل هي في جوهرها رسالة دفاع عن الحقوق والحريات، وعن سيادة القانون. ومن هذا المنطلق، فإن أي مساس باستقلالية المحامي، هو مساس مباشر بحق الدفاع، وبمبدأ المحاكمة العادلة، كما هو منصوص عليه في المواثيق الدولية التي صادقت عليها بلادنا.
من موقعنا كفاعلين في الحقل الحقوقي ، نؤكد أن استقلال مهنة المحاماة ليس امتيازًا لفئة مهنية، بل هو ضمانة مجتمعية لحماية الحقوق، ومراقبة مشروعية الإجراءات، والتصدي لكل أشكال التعسف أو الشطط في استعمال السلطة. فالمحامي، حين يُؤدي رسالته باستقلالية، يُسهم في ترسيخ الثقة في العدالة، وفي تعزيز مناعة الدولة أمام الانزلاقات.
إن أي تشريع يُفرغ المهنة من مضمونها الحقوقي، أو يُقيد استقلاليتها، لا يمكن أن يُقابل إلا برفض جماعي، ونقاش مسؤول، ونضال مهني سلمي، يُعبّر عن وعي المحاميات والمحامين بدورهم التاريخي، وعن انخراطهم في الدفاع عن العدالة كقيمة، لا كمجرد إجراء.
نُراهن على حكمة المؤسسات، وعلى قوة المجتمع المدني، وعلى يقظة الجسم الحقوقي، من أجل بلورة إصلاح تشاركي، ديمقراطي، يُعزز استقلالية المهنة، ويُكرّس دولة القانون والمؤسسات.
فالمعركة اليوم ليست معركة المحامين وحدهم، بل هي معركة كل من يؤمن بأن العدالة ليست سلطة فقط، بل عقد ثقة بين الدولة والمجتمع.
ذ: البوزيدي عبد العالي
ناشط حقوقي: رئيس المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان والبيئة