إطلالة سوسيو_بنائية على تجربة حامد الزيدوحي الشعرية.

0 1٬162

الأستاذ : علي درويش

1 / 7
+
من خلال دواوينه:
( ثورة وسكون_ أوراق متطايرة _ عندما يسطع القمر)

عرف الكثيرون الشعر بأنه حلم، وأضيف بأنه حلم بجودة عالية لأنه يندس في ثنايا كلمات تحيي الروح وتنعش القلب وتطرب السمع ومن خلاله تحيا اللغة وتتخلص من الجمود الذي يقيد حريتها خلال عمليات التواصل اليومي.
لذلك فمهمة الشعر الأساسية كما تقول ناتالي ساروت هي أن يولد إحساسا لدى المتلقي،مادام الشعرعملية استكشاف للكامن في أعماق المبدع والمتلقي معا من مشاعر وأحاسيس وأفكار وتصورات وباختصار فهو بتعبير إيمانويل ريفا سعي إلى تعرية الحقيقة الخفية.
لذلك فأي قراءة تسعى لفحص منجزشعري تظل مجرد اجتهاد لن يخلو من قصور مادامت تدخل في مطاردة مضنية لمعنى متحرك يطمح إلى الكمال.
من هنا تأتي صعوبة قراءة النص الشعري قراءة نقدية، ففضلا عن تعدد الزوايا التي يمكن ان تفتح على هذا النص فإن أي قراءة تطمح إلى أن تحظى بشيء من المصداقية تستلزم الكثير من المهارات الذهنية و العلمية و المنهجية انطلاقا من مجرد الملاحظة البصرية مرورا بحسن الإدراك ودقة الفهم ثم التحليل والتفكيك ورصد العلاقات بوعي وقوة استدلال وتأويل و انتهاء بالتذوق والتقويم وإصدار الحكم.
بناء على كل ذلك من الغرور أن تتوهم أي قراءة كيفما كانت خلفيتها النقدية وأدواتها المنهجية أنها حققت الكمال، إذ لا مناص من أن قراءة ما، كالتي أنا مقبل عليها بالنسبة لدواوين أخي حامد الزيدوحي ستظل في عمومها مجرد اجتهاد شخصي ما دام القبض على حقيقة نص متحرك كالنص الشعري مجرد وهم بل حتى تبني قراءة معينة دون غيرها فإن النص من حيث طبيعته وخصائصه المميزة هي التي تمليه كما تبرز ذلك المؤشرات الأولية الموجهة.
فمن خلال عناوين الدواوين الثلاثة ومن خلال عناوين نصوص في قضايا وطنية واجتماعية تتجاوز نسبتها 65 بالمائة، فإن انسب مقاربة هي التي تتوخى القبض على تفاعل النص مع محيطه الاجتماعي وعلى رؤية مبدعه للعالم كما بلورها الناقد الشهير لوسيان كولدمان أي المقاربة السوسيو-نقدية أقصد تلك التي تعتمد
2 / 7
أليات استكشاف مغالق النص الشعري من حيث هو بنية لغوية حافلة بالرموز والأبعاد الدلالية والجمالية وأن هذه البنية تنصهر مع بنية المجتمع والسياق السياسي والاقتصادي الذي أنتجها، إيمانا بأن منطلق هذه القراءة هو اعتبار النص محكوما بشروط السياق الذي أنتجه علما بأن هذه المقاربة تختلف عن بقية المقاربات التاريخية والنفسية والشكلانية والبنيوية وما تلاها من مقاربات تمتح من الدرس اللساني ومن السيميائات ومن جمالية التلقي وهي أيضا تصحح مفهوم الانعكاس الذي تبناه المنهج الاجتماعي قبلها مع سانت بوف وطه حسين وغيرهما والقائم على تصور النص مرآة عاكسة للمجتمع كما هو، وعوضها تتبنى مفهوم العلاقة الجدلية التفاعلية بين الابداع والسياق الاجتماعي،كما سنحاول أن نتلمس ملامح ذلك من خلال الدواوين الثلاثة للأخ حامد الزيدوحي، الذي تعود علاقته بالابداع الشعري إلى مرحلة الشباب وقد نوه بتجربته المرحوم محمد بن اعمارة في إحدى حلقات برنامجه الشهير(حدائق الشعر) بإذاعة وجدة الجهوية ،واصفا هذه التجربة حينها بالمتميزة لكن الشاعر حامد الزيدوحي لم يتمكن من طبع دواوينه إلا في سنتي 2018 و 2019 وذلك لغلاء تكلفة الطبع حينها،ومع ذلك فلم يتوقف عن نشر بعض نصوصه في عدة مواقع وجرائد ورقية وإلكترونية. تتآلف قضايا و ومواضيع و تيمات الدواوين وكأنها تشكل ديوانا واحدا في أجزاء ثلاثة، وكل المؤشرات القبل/نصية تؤكد ذلك، بدءا من صورة المبدع حامد الزيدوحي التي هي أول ما يجذب المتلقي وهو يقبل على تصفح كل ديوان من الدواوين الثلاثة، تليها بعض الأشكال والألوان والعنواوين وعناصر التوثيق وكلها تتكامل لتشكل إشارات قبلية عن طبيعة مضامين النصوص، وإن كان عنوان كل ديوان يتميز بدلالات خاصة ، فثورة وسكون يتشكل من مركب عطفي من اسمين تتوسطهما واو العطف الدالة على مطلق الجمع أي اشراك المعطوف والمعطوف عليه في الحكم من غير ترتيب زمني او كرونولوجي ، و كأن الثورة والسكون عنصران متلازمان ، و قد وردا في صيغة التنكير للدلالة على التقليص الزمني، فلاثورة دوما ولا سكون دوما، بل في عمق كل ثورة سكون وتأمل و في احشاء كل سكون ثورة جنينية تتشكل قبل ان تندلع أقوى، مما يعكس على مستوى الرؤية الفكرية تبني المفهوم الجدلي التفاعلي ، كما يعني في العمق أن الحياة فكر و عمل ووعي في تزامن لايفتر، فإن دققنا النظر أعمق نستخلص بأن الحياة من المنظور الذي يتبانه الأستاذ حامد الزيدوحي لا تعرف الثبات على حال وكأنها أوراق متطايرة وهذا ما يفسر اختيارهذا العنوان ذاته للديوان الثاني، حيث وردت أوراق بصيغة الجمع والتنكير للدلالة على كثرتها وعدم ثباتها في الزمان والمكان و أردفها بالصفة متطايرة التي تحمل معنى الحركة التغير باستمرار، وإذا كانت
3 / 7
لفظة أوراق تحيل على حقول دلالية مختلفة كالطبيعة والكتابة و الابداع والعمر والتدريس وغيرها فإن اختيار هذه اللفظة بالذات لم يكن اعتباطيا بقدر ما أريد له ان ينم عن رؤية شمولية لقضايا الحياة وأوضاعها التي لا تعرف أحوالها الاستقرار والدوام، بل تحمل في ذاتها قابليتها للتغير كما تحمل ظلمة الليل الحالة الفلكية الانسب ليبرز ضوء القمر ويسطع كما يشير الى ذلك عنوان الديوان الثالث (عندما يسطع القم)، فعندما ظرف مركب من عند التي تحيل على الزمن في هذا السياق مردفة بما المصدرية، لتحديد زمن فعل السطوع، ومادام مضافا إلى القمر، فإن المعنى الأعمق هو أن الامل قد يتجلى واضحا ساطعا في رحم الأزمة التي تشير إليها حلكة الليل ، مادام القمر عديم الضوء في غير هذا الوقت، و هكذا تتكامل عناوين الدواوين في تأكيد إيمان الشاعر بجدلية الازمة والانفراج و اليأس والامل والمعاناة و الخلاص.
و يكفي لتأكيد ذلك أن نلقي نظرة على القضايا والموضوعات والتيمات المهيمنة كما تبرزها عناوين النصوص وكما تعكسها بعض مضامين هذه النصوص، حيث يهيمن الوطن والمجتمع و قضاياهما بنسبة 54 بالمائة، تليه هموم الذات والشغل ثم القضايا القومية والاسلامية في حين يبدو حضور الانسان بغض النظر عن الانتماء الوطني والقومي باهتا. و يمكن إجمالها و ترتيبها بدءا من أصغر دائرة إلى أوسعها في العناصر التالية :
الذات –الأسرة-الشغل –المدينة_ الوطن- القومية العربية والاسلامية – الانسانية.
وذلك قبل ان نقتفي آثار رؤية المبدع لهذه القضايا، كلا على حدة او مترابطة متداخلة و ذلك بقدر ما يسمح به حجم هذه القراءة ، ولننطلق من نصوص الاهداء باعتارها موجها قبليا يترجم نية المبدع ومقصديته ورؤيته للرسالة التي يسعى إلى تمريرها:
ففي كلمة الاهداء التي صدربها ديوان {اوراق متطايرة} يحضر ضمير المتكلم إشارة إلى الذات كما تحضر الأسرة بمختلف مكوناتها :
إلى أبي و أمي الشجاعة إلى زوجتي و ابني و بناتي …..
بينما في نص الاهداء بديوان {عندما يسطع القمر} فيهمن ضمير الجمع محيلا على المجتمع والوطن والأطفال والبائسين والمشردين……
4 / 7
في حين تتسع الدائرة في {ثورة وسكون} لتعم الانسان الذي يحمل الهم والوعي ذاته الذي يحمله الشاعر نفسه:
(إلى كل من يدري و يعلم أن الثورة لا بد لها من سكون…..)
فباي رؤية و من أي زاوية تعامل الشاعر حامد الزيدوحي مع هذه القضايا وكيف شخص ما تحمله من آلام وآمال؟ ..
حين نستعرض النصوص أوالمقاطع التي تتضمن موضوعا له علاقة، جزءا او كلا، بالوالوطن وهو الموضوع الأكثر هيمنة في دواوينه الثلاثة جميعها خلافا لما قد يوهم به عنوان كل ديوان على حدة كما سبق بيانه.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو هل أبان هذا الحضور عن التزام فكري أو ايديولوجي أو حمل قيمة جمالية إضافية ؟ وبالتالي هل عكس هذا الحضور وعيا يرتبط بموقف مؤسس على معرفة عميقة بالواقع من حيث اسبابه وخلفياته والعوامل المؤثرة فيه ؟ وهل أبان عن رؤية هادفة تفرضها مسؤولية الشاعر باعتباره مثقفا و مبدعا في آن ؟ و هل أفرز هذا الوعي تقديم بدائل أفضل؟ علما بأن الحديث عن الوطن في شعر حامد الزيدوحي يتداخل مع الحديث عن المواطن، بمعنى ان التغني بالوطن والتعبير عن الاعتزاز بالانتماء له لا ينفصل عما هو اجتماعي ، فالوطن ليس رقعة جغرافية فحسب و ليس مجرد تعدد روافد ثقافية او تنوع مظاهر الجمال الطبيعي بل هو بموازاة ذلك مواطن أصيل كادح منه من يحمل رسالة و منه من يناضل من أجل العيش الكريم و منه جيل صاعد ينشد مستقبلا أفضل. فالتعبير عن الاعتزاز بالانتماء للوطن يرتبط عنده أساسا بوحدته الترابية وقد خصص قصائد للصحراء وأخرى لسبتة ومليلية وتغنى بخصوصية المغرب وبعض مدنه ورايته :
اخفق يا غصن
رفرف
كما رفرفت الاعلام الحمراء
و النجمات الخضراء
و سبح تسابيح الربيع (ص: 91 _ثورة وسكون )
و في حضن هذا العشق للوطن يزداد الوعي بواقع المواطن الذي يعاني من التهميش والحرمان:
5 / 7
لم يتركوا
إلا خبزا حافيا
و رجلا عارية
ونفايات مزكمة……….. (ص:112 عنما يسطع القمر)
بل ينطلق الشاعر من ذاته معبرا عن حزنه باعتباره نموذجا لمن يكد ويشقى ليعيل أفراد أسرة تتعدد متطلبات عيشها:
لأجل الكدح انا حزين
لأجل ابي والمشيب
لاجل امي والمغيب
لأجل الخبز والزيت
أنا كئيب…….
(ص: 48 عندما يسطع القمر )
واضح إذن أن الغالب في تشخيص الواقع و التعبير عن أثره في النفس وعلى المعيش اليومي هو تعبير قائم على رفض ما هو كائن من غير أن يتجاوزه الى ما يلزم أن يكون، فاذا تضمن النص مطلبا فهو لا يتجاوز حدود المطالب الآنية كالأجر والسكن وغيره ولم يصدر عن رؤية فكرية قائمة على تصور لمشروع مجتمع بديل.
و حتى حين يتطرق الشاعر إلى القضايا القومية فهويظل حبيس رد الفعل الآني القائم على صدق المشاعر أكثر من قيامه على العمق وبعد الرؤية :
هذي بيروت
هذي غزة
قد تعالى بكاؤها فوق أسواري
(ص: 32 ثورة و سكون)
بل حتى في قلب المناسبة (فاتح ماي) وبالنظر إلى التجربة النضالية والسياسية للشاعر، فإن الصورة عنده تظل في حدود الشعارات الآنية ، يقول في قصيدة : “سلام أيها العمال” (ص: 79 ثورة و سكون):
6 / 7
أيها المهمومون بالشغل
أيها الآكلون من الشغل
أيها الرماديون مهلا
فاليوم عيد وشغل ووعيد…….
لذلك نجد الحقل الدال على المعاناة أكثر هيمنة من الحقل الدال على الرؤية (تبكي_الدموع_ظلم _ الغزاة_حناجر مقتولة_ القلب يرتعش_ اغتال….الخ)، وهذا ما يفسر هيمنة الأسلوب الواضح و المعنى قريب المأخذ، الأقرب الى الاسلوب الصحفي التقريري منه إلى إلى التصوير البيناني الذي يبدو خافتا لا يطل إلا في نصوص قليلة، ممثلا أساسا بالتشبيه، داخل جمل بسيطة وتراكيب خالية من التعقيد وإن تضمن بعضها تكرارا قد يكون الهدف منه التأكيد :
لن أخيب
و لن أخيب
و لن نخيب
(ص: 65 ثورة و سكون)
و هو تكرار خدم الإيقاع الموسيقي الذي يقوم أساسا على التكرار اللفظي على توظيف حرف الروي كما نجده في قصيدة الجو والسحر (ص: 32 اوراق متطايرة) حيث تختم كل الأسطر بحرف الروي راء، اما توظيف التفعيلات فقد ترد تلقائيا بدون مغالاة ومن غير أن تؤثر على انسيابية المعنى.
يهيمن إذن الوصف الخارجي للأحوال والملامح النفسية والوضعيات الاجتماعية :
في زمن قلنا
لا للغش
لا للزور
لا لليأس و البؤس
(ص: 80 ثورة وسكون)
و مع ذلك فهذا الواقع كان شديد الوقع على نفسية الشاعر، فإن عبرنا من المواضيع الخارجية إلى الذات نفسها نلمس ذلك الشعور القاسي بالاغتراب في
7 / 7
وطن أحبه الشاعر و تعلق به وأعطاه من جهده و فكره ولكنه لم يتلق منه ما يحقق رغبته في الراحة و العيش الكريم، يقول في قصيدة (ظمأ و بؤس ولهيب)
واجتاحني ألم
و سرى في دمي سفر
و أتعبني سفر
(ص: 29 أوراق متطايرة)
يصف الشاعر إذن الواقع الخارجي كما يراه، ويستبطن أحاسيسه الداخلية ليعبر عن مشاعره الوطنية والقويمية بعاطفة صادقة ومن زوايا مختلفة بحيث تتعدد القضايا والأغراض التي تضمنتها اشعاره ولم يقولب ذاته في قالب رومانسي متكرر ومستهلك كما هو سائد عند أغلب الشعراء حاليا، فالقصيدة عند حامد الزيدوحي حبلى بالقيم النبيلة وبالصدق العاطفي متأثرا بأواضع عاشها وعايشها فتركت أثرها في تجربته الشعرية المتميزة، لكن رصده لهذه القضايا بما فيها من آلام و آمال، ظل حبيس النظرة العاطفية التي لم تفرز رؤية مستقبلية لمشروع المجتمع الذي يفترض أن الشاعر يحلم به أو يرسم ملامحه في أشعاره ، و قد لا يكون الشاعر قد شذ عن القاعدة بقدر ما عبر عن قصور رؤية الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها في لحظة من لحظات نضالها ، فهي لم تبلور صورة مشروع مجتمعي بديل قائم على الديموقراطية و الحرية والعدل والمساواة، مكتفية برفع شعارات ايديولوجية فرضتها ظرفية معينة، لأن الشعر الملتزم قائم أساسا على التنبؤات المستقبلية عوض الاقتصار على تشخيص الأوضاع و التحسر على ما آلت إليه.
والله ولي التوفيق

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.