أيها المعلم أو الأستاذ لا أنصحك بقراءة هذا المقال. بقلم “أبو أمين”:
استوقفتني مداخلة قيمة للدكتور ذ. محمد الخمسي أستاذ التعليم العالي بجامعة سيدي محمد بن عبد الله، وهو قامة معرفية تحليلية لأوضاع التعليم ببلادنا بامتياز ،ومداخلاته القيمة تجوب أروقة وسائل التواصل الإجتماعي التي وصفته بعضها بالعبقري الذي لو كان أفلاطون حيا لوضع قبعة الحكمة على رأسه.
وهذه بعض الأفكار التي جاءت على لسان الأستاذ أحببت أن أضعها بين أيديكم بتصرف و أتقاسمها معكم لتعم الفائدة:
ينطلق الدكتور الخمسي في تشريح أوضاع التعليم في بلادنا بلغة بسيطة سلسة مفهومة لدى الجميع:
التعليم معركة كبرى ولا نعتقد أن كل ما لدينا خراب .لدينا بناء أساس ننطلق منه لوضع لبنات تعليمنا على أسس متينة وصلبة.
بعدين أساسيين في هذا الأساس لزم الإهتمام بهما:
البعد الأول: الموارد البشرية : التعليم ببلادنا يستقطب كثيرا ممن لا علاقة لهم بمهنة التعليم أساسا، ويتم اعتبار التعليم آخر مهنة يلتجئ إليها من يبحث عن الشغل أوالعمل ،ومن ثمة تنعكس النتائج سلبا على المجتمع برمته ويكلفه ثمنا غاليا لا من الناحية النفسية ولا الإجتماعية ولا الإقتصادية . التعليم مختلف تماما على باقي المهن لأن موضوعه ومحوره الإنسان.الخطأ في المهن التقنية لا يكلف الكثير ولكن في التعليم يكلف الكثير . .في الوقت الذي كان يشترط للولوج لمهن التربية والتكوين أن يتوفر المرشح على الحد الأدنى من الإيمان و الحب للمهنة.أن تخطأ في تركيب أجهزة حاسوب أهون بكثير من الخطإ في بناء الإنسان. ما ذا سيقع في الحاسوب إن تم خطأ ما في التركيب سنعيد تركيبه من جديد وكفى الله المؤمن شر القتال .ولكن تخريب نفسية طفل وتدمير عقل متعلم يكلف المجتمع غاليا لأنه يخرج لنا المرضى والمعطوبين والمنهزمين وغيرها من الأمراض الباطنية التي تعطل انطلاقة ونجاح المتعلم وبالتالي وجدليا يعطل قاطرة تنمية المجتمع برمته.
رجل تعليم عمل طيلة 32سنة وهو يمقت ويكره مهنته ولم يسترح حتى نال تقاعده أي عذاب هذا؟يتساءل الدكتور الخمسي في مداخلته.
البعد الثاني هو تعاملنا مع التعليم بمعادلات اقتصادية كمتطق العرض والطلب وكمنطق اقتصاد السوق والربح والخسارة والميزانية والمخطط السداسي والمخطط الإستعجالي وغيرها من المفاهيم المادية الخاضعة لقوانين السوق:
بناء جيل يعتمد على ثلاثة مستويات و قواعد أساسية
القاعدة العامة الأولى :المواطنة و الإندماج السوي هذه القاعدة لا تهدف لتشغيل المتعلم، بل تهدف إندماجه وتكيفه في الوسط والمحيط العلمي حتى يتم التعايش فيه في جو سليم يعمه التواصل.
القاعدة الثانية أن يضيف المتعلم قيمة مضافة علمية اقتصادية فلسفية..لا تعتمد على عضلاته وقوته الجسمانية بل على عقله وملكاته المعرفية وكذلك خبرته .ولكن في تعليمنا نلقنه العموميات التي لا تكون خبرة ولا تخصص، و نعطيه كل شيء وفي النهاية لا يتقن أي شيء، وعندما يعمل في شركة تقوم هذه الأخيرة بإعادة تركيبه بطريقة أخرى تتماشى وطريقة عملها في الإنتاج والتوزيع والتسويق.
القاعدة الثالثة هي إنتاج العباقرة والمتفوقين من المتعلمين، الذين يصنعون المستقبل في مجالات السياسة و الفلسفة و الطب و الهندسة و الآداب وغيرها من المعارف المتنوعة. لكن هذه النخبة والزبدة والثروة البشرية من المتفوقين والعباقرة التي لا تقدر بثمن حينما تنجح في مسارها الدراسي، ترحل إلى الخارج وتستثمر الدول المستقبلة هذه الطاقات الثمينة في تنميتها وتطورها بينما يضيع الوطن الذي سهر على تعلمها وتألقها
حينما ينجح النظام التعليمي يتقلص عدد الجرائم وتتقلص أعداد الشرطة وتنقص أعداد الملفات في المحاكم .ولكن عندما تبدأ الدولة ببناء السجون أكثر من المدارس والمستشفيات فذلك مؤشر خطير يجب الإنتباه إليه كثيرا.
هذا الملخص الفريد لتحليل وتشريح واقعنا التعليمي يحيلني حسب تجربتي المتواضعة إلى عدة قضايا لم يغفل عليها السي الخمسي ولم يهملها، لأن مداخلته لن تتطرق لكل شيء في هذا الملف المعقد والمتشعب وهذا ما جعل مداخلته أولا في محتواها جد قيمة وتستفزك وتترك فيك الرغبة في المحت والبحث في الجوانب الأخرى عن باقي المكملات و القيم المضافة في الموضوع:
في الموارد البشرية دائما أحب أن أضيف على ما ورد في مداخلة السي الخمسي أن مقولة الرجل المناسب في المكان المناسب في التعيينات في مناصب المسؤولية في النظام التعليمي لا تحمل في طياتها إلا الإسم. إلا ما ندر من المسؤولين الشرفاء الأكفاء الذين تركوا بصماتهم في النزاهة والإستقامة والحكامة الجيدة .
وأريد أن أطرح بعض التساؤلات مع الدكتور الخمسي هل مقتضيات القوانين المتعلقة بالتعيين في المناصب العليا تطبق بموضوعية وشفافية ونزاهة في هذا المجال لأنه لا يمكن قيادة سفينة بما فيها وربانها ثمل أو مخبول
وفي دستور المملكة لسنة 2011، مجموعة من المقتضيات التي تكرس مبادئ تكافؤ الفرص والاستحقاق والشفافية والمساواة والنزاهة،
والخبرة والتكوين والمستوى العلمي في تقلد مهام المسؤولية ولكن نقولها بكل موضوعية أن كثيرا من مناصب المسؤولية سواء تعلق الأمر بالتعليم الثانوي والتقني أو التعليم العالي والبحث العلمي لا تطبق عليها المقتضيات القانونية المذكورة أعلاه ولا أخفي أن مكونات المجتمع وفعالياته ومؤسسات الرقابة وذوي الإستحقاق ومن يعنيهم الأمر في الترشيح لهذه المناصب كلهم يتحملون مسؤولية ما يقع من إختلالات وأعطاب، فقلما تتقدم عرائض الطعن لإلغاء هذه التعيينات في مناصب المسؤولية لدى المحاكم الإدارية و بالتالي يكون هذا سببا رئيسيا في هذه الأعطاب والإختلالات ما يفتح المجال لسوء التدبير والتسيير في هذا المرفق الحساس الذي يتعلق ببناء الإنسان والبشر كما ورد في مداخلة الدكتور الخمسي. وبذلك نضيف على ما قال الدكتور الخمسي أن الأزمة في المخروط الهرمي لا تتعلق فقط بقاعدته المتمثلة في المعلمين والأساتذة والتلاميذ والطلبة ولكن متعلقة أيضا وبشكل بنيوي بأعلى قمة الهرم من مسؤولين كبار مصممي الإستراتيجيات وواضعي المشاريع وممن
وكلت إليهم مسؤولية تسيير وتدبير قطاع حيوي لا كباقي القطاعات يعنى أساسا وقبل أي شيء ببناء البشر وتكوينه.
وفي قمة هذا الهرم سمعنا وطاب سمعنا ورأينا كما سمع ورأى الجميع اختلالات بالجملة تهز أركان المنظومة التعليمية. من تمظهراتها المخطط الإستعجالي،التوظيفات المشبوهة،الفساد المالي والأخلاقي وهدر المال العام وغيرها من الإختلالات (تورط عدد من رؤساء الأقسام والمصالح في خروقات قانونية خلال تنزيل المخطط الاستعجالي ما بين سنتي 2009 و2012.) (تقرير المفتشية العامة، الذي أطلق حملة افتحاص واسعة النطاق بعد فضيحة التسريبات الهاتفية لمديرية أكاديمية الرباط…)
أما قاعدة الهرم من مربين وأساتذة فمنهم من عمل لمدة 39 سنة، بروح من المسؤولية والتفاني في العمل في القرى النائية و المدينةو مرت مسيرتهم التربوية بنجاح ،في أجواء الاحترام المتبادل بين الأساتيذ والتلاميذ والإدارة واولياء التلاميذ ومنهم من وصل التقاعد ولا زال الاحترام المتبادل مهما كانت الحرف و الوظائف بل لا زال بعد تقاعده يستفيد التعليم الخصوصي من تجربته الرائدة بنفس الحماس والانضباط ، نعم ان تمتهن أي مهنة ما لا بد ومن الضرورة الحتمية ان تحبها وتتمكن منها لأنها مهنة جاورت الانبياء والرسل.
“إن الحياة مليئة بالحجارة فلا تتعثر بها، بل اجمعها وابن بها سلماً تصعد به نحو النجاح.”
خلاصة القول ما جاء على لسان إحدى المربيات التي لم تكن قط ضمن منظومة المخطط الإستعجالي أو الفساد المالي ولا يحزنون بل هي في قاع قعر قاعدة الهرم ولكن ملأه معاني الحكمة و الرقي والحضارة والوعي والذوق السليم” نحن ملائكة دون ان نطير في السماء .. في التعليم على قدر من المرارة توجد حلاوة لن تفهمها الا حين يكتب لك أحد تلامذتك على لوح السبورة .”..احبك أستاذتي قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم أن يكون رسولا “.
“يتبع”