“أنا الموقع أسفله” سيرة ذاتية جديدة للأديب العربي بنجلون

0 953

صدر حديثا للأديب العربي مؤلف على شكل سيرة ذاتية جديدة موسوم ب “أنا الموقع أسفله”، وذلك في طبعة ثالثة، مجردة ومزيدة.

ويستقي الكتاب، الذي يقع في 168 صفحة من القطع المتوسط، عنوانه من إقرار الكاتب في الصفحة الأولى منه أن “كل الوقائع التي تضمنتها سيرتي حقيقية، ليس لوقعتها كاذبة، عشتها بالطول والعرض، وما زلت أخوض في الوقت الضائع منها”.

في مؤلف “أنا الموقع أسفله”، يتمرد العربي بنجلون، على “خطية السرد”، حسب تعبيره، فقد عزف عن بدء العمل على جاري عادة كتاب السيرة. بسنة الازدياد ومكانه، والعائلة والمحيط الاجتماعي، وتأثيرهما في النشأة، ثم الدراسة، فالجو الفكري والثقافي والسياسي (…). ويجنح به خيال القاص أحيانا إلى كتابة إبداعية منفلتة، ففي فصل بعنوان “مذكرات (كارلوس زمانه)”، يخرج الفدائي الدولي من المرآة، يحاوره ويجادله ويتهمه بانتحال صفته (ص 144)، ويجري الكاتب حوارا على لساني الحكيم دبلشيم وبيديا، شخصيتي كتاب (كليلة ودمنة) لعبد الله بن المقفع، في ختام المذكرات ذاتها (ص 162). لكن المؤلف يعود ليذكر في ختام هذه المذكرات أنها “حقيقية، ليس لوقعتها كاذية، وليست محض خيال أو أوهام، أو اضغاث أحلام ، وكل الأسماء والتواريخ حقيقية، كما رواها كارلوس زمانه لتشهد على المرحلة، وهي غيض من فيض”. وهو لا يكتب سيرة حياته فحسب، بل يكتب من خلالها وقائع اجتماعية (“يومية بوعياد”،…) وثقافية (إقبال القراء المغاربة على مجلات “العربي” الكويتية و”الدوحة” القطرية وغيرهما)، وأحداثا تاريخية شهدها المغرب أو عانى منها على مدى العقود الأخيرة، وعايشها المؤلف في طفولته ويفاعته واكتمال نضجه.

ويستحضر المؤلف أحداثا ومواقف مرت به، وكذا شخصيات عرفها عن كثب من قبيل الفنان الشعبي حمو اليزيد أولعصيم الملقب ب”فريد الأطلس” الذي كان يشتغل ممرضا في مستوصف بلدة عين اللوح، الذي عرفه وهو طفل و”تألفت بيننا صداقة متينة، لم يفك عراها إلا رحيله المفاجيء” (ص 67).

وتحت عنوان “في الخابية”، يورد المؤلف فهرسا للسبع عشر موضوعا التي يتضمنها الكتاب، ومنها “الدناصير”، و”الميت الحي”، و”الشيطان الصغير”، و”السقوط الكبير”، و”الشيطان الصغير”، و”أولئك آبائي فجئني بمثلهم”، و”سير حياة…سير كتابة”. وفي “عتبة” الكتاب، يقول العربي بنجلون إنه يعتبر سيرته الذاتيه الثانية هذه، بعد إصداره “سفر في أنهار الذاكرة” (1987)،”تتمة وإضافة له، بل توضيحا وتفسيرا لبعض الأحداث، التي لم أكن أملك الجرأة لسردها حرفيا في ذلك الحين”، موضحا أن كتابه الثاني يتميز عن سالفه “باستغنائه كليا عن ذلك الجو الرومانسي الشاعري، وما يتضمنه من إيحاءات، ورموز وإيماءات وومضات، ينفرد بها الشعري عن النثري” (ص 8).

وفي فصل “ذلك الطفل الذي كنته”، يورد قصة ميلاده في بيت ب”درب الحمام” بفاس، حيث كانت توجد أول مطبعة في المغرب حسب فقيه الحي. قبل أن يدخل مدرسة (أكومي) الحرة “هذه المدرسة، وغيرها كثير، أنشأها الزعماء السياسيون المغاربة، أو بإيعاز منهم، لتعليم اللغة العربية، ومجابهة المد الثقافي الاستعماري، والحفاط على الهوية العربية” (ص 16). وتحدث عن “المولود الأول” وهو كتابه “تيار الوعي في الأدب المغربي المعاصر”، وسفرياته العديدة إلى بلدان عربية وأجنبية، وعن الصداقة التي جمعته بالعديد من الأدباء والكتاب والناشرين (الأديب الراحل أحمد عبد السلام البقالي والشاعر الراحل محمد الطوبي والناشر محمد القادري الحسني على سبيل المثال)، موردا، في ثنايا سرده، طرائف ونوادر عاشها أو كان طرفا فيها.

الخيط الناظم بين فصول الكتاب هو تشديد العربي بنجلون على فعل القراءة. لا يفوت الفرصة كل مرة للحديث عن أهمية القراءة للصغار وللكبار على السواء، في الرقي بالمجتمع وتنمية الحركة الاقتصادية فبل الفكرية، موردا أمثلة ونماذج من بلدان متعددة (دعوة كتاب فرنسيين شركة السكك الحديدية إلى كتابة مقاطع شعرية على ظهر تذاكر السفر، وتجربة طوني بلير زعيم حزب العمال البريطاني الذي قاد حملته الانتخابية تحت شعار “مكتبة في كل حي”).

يحمل الغلاف الأول للكتاب صورة لمدينة فاس، مسقط رأس العربي بنجلون وصورة للمؤلف في شبابه، فيما يحمل الغلاف الأخير كلمة للدكتورة لبنى جوهر من سورية تقول فيها عن الكاتب، الذي عرفته قبل 35 سنة، “كنا، وما بدلنا تبديلا، نلتقي في فاس أو القاهرة أو برلين”، مضيفة قولها “ليس غريبا أن تأتي كتاباته قطعة من لحمه (…) يصر على مواقفه في غير بهرجة، ويحث الخطة في عالم الكتابة للكبار والصغار، وينشد العلم والمعرفة والأدب في كل مكان ينزل به”.

أهدى العربي بنجلون كتابه إلى أمه فاطمة القلعي الخطابي “التي فرت بجلدها من الحرب الريفية، لتحتضنها فاس طفلة”، وذلك “خشية أن يلاحقها المستعمرون فيقتلوها، كما قتلوا والدها الضايط العسكري في الجيش الريفي”.(ص 141)، مشيدا بنضالها بعد ترملها كي يعيش أبناؤها في كرامة. وأهدى الكتاب أيضا إلى أخيه عبد الوهاب “الذي كان يكبرني بأربع سنوات، وترك المدرسة ليعولنا، وهو فتى في عمر الزهور” (ص 141)، و”الذي حل محل أبي، ثم سلمني المشعل، ورحل في عز عطائه إلى العالم الآخر” (ص 3).

وأهدى الكتاب أخيرا “إلى الكاتبين الكبيرين الخالدين، اللذين فتحا عيني على الحياة، عبد العزيز البشري ونيقولاي غوغول”. تأثر بالخصوص بالسلاسة وبروح السخرية في كتابات الكاتب المصري (1886-1943) “نسيج وحده في أسلوب الجد في الهزل والهزل في الجد” كما قال محمد كرد علي، وخرج من “معطف” القاص الروسي (1809-1852) على غرار أغلب قاصي جيله.

أصدر العربي بنجلون، المزداد سنة 1948، أزيد من 59 كتابا للأطفال، والعديد من المؤلفات النقدية والإبداعية، وسبعة أعمال أدبية في التربية غير النظامية، اعتمدتها بلدان أوروبية ومنظمات عالمية في هذا المجال. والعربي بنجلون، الذي اشتغل معلما ثم أستاذا للغة العربية وحاضر في كليات الآداب ومعاهد الإعلام بالمغرب وخارجه، عضو اتحاد كتاب المغرب، وعضو اتحاد الكتاب العرب، وعضو اتحاد الصحافيين العرب بهولندا، وعضو مؤسس لاتحاد ممثلي الصحافة الوطنية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.