آفةُ شخصنةِ الأمور… حين يتحول الفعل إلى ذريعة والإنسان إلى ساحة رمي!

0 264

✍🏻 بقلم: [ذ.هشام الدكاني]

في عالم يفترض أنه يتجه نحو ترسيخ ثقافة النقد البنّاء وربط المسؤولية بالمحاسبة، نجد أنفسنا ويا للمفارقة!
أمام موجة عارمة من شخصنة الأمور، حيث يصبح الإنسان نفسه موضوع الهجوم، ويُنسى الفعل، ويُدفن النقاش، وتُغتال الفكرة قبل أن تكتمل جملتها الأولى.

المشكلة في جوهرها بسيطة… هناك فعل يحدث، قرار يُتّخذ، كلمة تُقال، مبادرة تُطلق… فتجد الجمهور يترك كل ذلك جانبا، وينقضّ بشهية غريبة على الشخص(مظهره، تتبّعه، حياته، نواياه، وتاريخ أسرته أحيانا!)، وكأن الفعل لا قيمة له إلا بقدر ما يتيحه من فرصة لتصفية حسابات غير مُعلنة.
قد يُلتمس العذر لمن يقع في فخ الشخصنة عن جهل أو نقص في الثقافة أو تزاحم العواطف، لكن المدهش، بل الصادم أن ترى بعض المثقفين أنفسهم يسقطون في المستنقع ذاته، وهم الذين يُفترض فيهم أن يكونوا درع العقل وميزان الرصانة، فإذا بهم يتركون الفكرة ويمسكون صاحبها من ياقة قميصه!

ولعل أبرز مثال يطفو اليوم على سطح النقاش العام، هو ما نتابعه عبر منصات التواصل بشأن الصحفي حميد المهداوي، فالموضوع مهما ٱختلفت حوله الآراء، كان يفترض أن يبقى في نطاقه الطبيعي (نقاش حول فعل أو محتوى أو موقف مهني).
غير أن الأمور انزلقت بسرعة مذهلة خارج السكة، وتحول النقاش من تقييم عمل صحفي إلى مطاردة رقمية، يشارك فيها بعض المؤثرين من كل الحقول.
وحتى أكون واضحا، فإن مثال ما يقع للصحفي حميد المهداوي ٱخترته على سبيل الذكر لا الحصر.
فهذه المعضلة لم تعد حكرا على المجال الإعلامي، ولا مقتصرة على حدث معين، بل أصبحت للأسف، ظاهرة عامة تجتاح جل الميادين، وتستفحل بين مختلف الفئات الإجتماعية.
وما الجسم الصحفي اليوم إلا نقطة في بحر واسع من الشخصنة، بحر تتلاطم فيه أمواج التهجم على الأشخاص بدل محاسبة الأفعال، ويغرق فيه المنطق كل يوم قليلا.
ففي السياسة، تُدفن البرامج وتُسلّط الكاميرات على الوجوه.
وفي الرياضة، يختفي الأداء تحت ركام الشكوك الشخصية.
وفي المجتمع، يكفي أن يبدي الفرد رأيا عاديا ليُستدعى إلى محكمة النوايا فورا، وكأننا شعب يعيش في بث مباشر دائم لبرنامج (من سيرجم الشخص اليوم؟!).

لقد خرجت القصة من إطارها، وتداخلت الأصوات، وٱنقلب الميزان، وصار كل من يملك هاتفا أو صفحة أو كاميرا يعتبر نفسه خبيرا فوق العادة في ملف لا تربطه به أي علاقة من قريب أو بعيد!
فتجد من يفتي في الإعلام وهو لم يكتب مقالا في حياته، ومن يحلل في القانون وهو لا يميز بين دعوى وشكوى، ومن يوزع صكوك الوطنية وهو نفسه يبحث عن متابعين أكثر مما يبحث عن الحقيقة.
نعيش فعلا زمنا غريبا، زمن تضخّم الأنا، وضمور الفكرة، زمن يتحوّل فيه النقاش العمومي من فضاء للفهم والتصويب إلى ساحة صراخ يتقدم فيها الأكثر ضجيجا لا الأكثر معرفة.
زمن تُستعمل فيه المنصات الرقمية كمنابر لمحاكمة الأشخاص لا تقييم الأفعال، وكأننا أمام محكمة كونية، قضاتها مجهولون، وهيئتها مكونة من المؤثرين والترند واللايكات!.

إن شخصنة الأمور ليست مجرد ٱنحراف عابر، بل آفة تُفسد الوعي العام وتُحول المجتمع إلى كتلة ٱنفعالات… وهي معضلة لا علاج لها إلا بالعودة إلى الأصل:
«نقد الفعل لا صاحبه، مناقشة الفكرة لا صاحبها، ٱحترام التخصصات، وترك العدالة لمؤسساتها، والعودة إلى جوهر الثقافة، أي العقل قبل الغضب، والفكرة قبل الضوضاء».

حتى ذلك الحين… سيظل الحابل مختلطا بالنابل، وسيظل زمن العجائب مفتوحا على مصراعيه، منتظرا من يوقف هذا السيل الجارف من الشخصنة الذي لا يصنع رأيا عاما ولا يرقى بوعي، بل يخلق صدى بلا صوت، وضجيجا بلا معنى.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.